باب من الشعر
الجزء ١ · صفحة ٤فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكاً … لطول أجتماعٍ لم نبت ليلةً معا
وفيها مما يختار:
أقول وقد طار السّنا في ربابه … وغيثٌ يسحّ الماء حتّى تريّعا
سقى الله أرضاً حلّها قبر مالكٍ … ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا
وآثر بطن الواديين بديمةٍ … ترشّح وسميّاً من النّبت خروعاً
تحيّته منّي وإن كان نائياً … وأضحى تراباً فوقه الأرض بلقعا
فما وجد أظار ثلاثٍ روائمٍ … رأين مجرّاً من فصيلٍ ومصرعا
يذكّرن ذا الوجد القديم بوجده … إذا حنّت الأولى سجعن لها معا
بأوجد منّي يوم فارقت مالكاً … ونادى به النّاعي السّميع فأسمعا
يريد بالسميع: المسمع.
ومما يستحسن من شعره فيه: الطويل
كهولٌ ومردٌ من بني عمّ مالكٍ … وأيفاع صدقٍ لو تملّيتهم رضى
سقوا بالعقار الصّرف حتّى تتابعوا … كدأب ثمودٍ إذ رغا سقبهم ضحى
إذا القوم قالوا: من فتىً لعظيمةٍ ؟ … فما كلّهم يعنى ولكنّه الفتى
وهذا يشبه قول طرفة: الطويل
إذا القوم قالوا: من فتىً ؟ خلت أنّني … عنيت فلم أكسل ولم أتبلّد
ومن ذلك قوله في أخرى: الطويل
وكلّ فتىً في النّاس بعد ابن أمّه … كساقطةٍ إحدى يديه من الخبل
وبعض الرّجال نخلةٌ لا جنى لها … ولا ظلّ إلاّ أن تعدّ من النّخل
وهذا من جيد الكلام لصحة معناه، ولأنه وافق حقاً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الناس كإبل مئة، لا تكاد ترى فيها راحلة وقد قال الآخر لشجرات ضرب بهن مثلاً: الطويل
إذا لم يكن فيكنّ ظلٌّ ولا جنىً … فأبعدكنّ الله من شجرات
والرجل رحمه الله الذي أنشأنا هذا الكتاب بسببه، ومن أجل وفاته، نأمن أن يلحق وصفنا إياه تزيد أو تكلف لإجماع العامة فيه على قول الخاصة. فكأنه شيء وقع إلهاماً، وكأن مادحه يستملي مدحه من قول القائل: الكامل
جلّت مصيبته فعمّ مصابه … فالنّاس فيه كلّهم مأجور
والنّاس مأتمهم عليه واحدٌ … في كلّ دارٍ رنّةٌ وزفير
تجري عليك دموع من لم توله … خيراً لأنّك بالثّناء جدير
ويشاكل هذا المعنى قول عمارة بن عقيل لخالد بن يزيد بن مزيد: الطويل
أرى النّاس طرّاً حامدين لخالدٍ … وما كلّهم أفضت إليه صنائعه
قال: النصب في كلهم أحب إلي، والرفع جيد
ولن يترك الأقوام أن يحمدوا الفتى … إذا كرمت أعراقه وطبائعه
فتىً أمعنت ضرّاؤه في عدوّه … وخصّت وعمّت في الصّديق منافعه
وإن سلم أحد من أن يكون له عدو فإسماعيل بن إسحاق القاضي رحمة الله عليه، ذلك الرجل. ولكن من سلم من أن يعادى لجناية فغير سالم من حاسد باغ.
وحدثني الرياشي قال: حدثني محمد بن عبد الله الأنصاري في إسناد قال: صلى أبو بكر رحمة الله عليه صلاة الصبح يوماً، فلما انفتل قام متمم بن نويرة في آخر الناس، وكان رجلاً أعور دميماً، فاتكأ على قوسه ثم قال: الكامل
نعم القتيل، إذا الرّياح تناوحت … خلف البيوت، قتلت يا بن الأزور
أدعوته بالله ثمّ غدرته … لو هو دعاك بذمّةٍ لم يغدر
وأومأ إلى أبي بكر، فقال أبو بكر رضي الله عنه: والله ما دعوته ولا غدرت به، ثم اتكأ متمم على سية قوسه حتى دمعت عينه العوراء، ثم أتم شعره فقال:
لا يمسك العوراء تحت ثيابه … حلوٌ شمائله عفيف المئزر
ولنعم حشو الدّرع كنت وحاسراً … ولنعم مأوى الطّارق المتنوّر
فقام إليه عمر فقال: لوددت أنك رثيت أخي بما رثيت به أخاك. فقال له: يا أبا حفص، لو أعلم أن أخي صار حيث صار أخوك ما رثيته يقول: إن أخاك قتل شهيداً. فقال عمر: ما عزاني أحد بمثل تعزيتك