التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب من الشعر

الجزء ١ · صفحة ٥

وفي حديث آخر أنه رثى زيد بن الخطاب فلم يجد، فقال له عمر: لم أرك رثيت زيداً كما رثيت أخاك مالكاً، فقال: إنه والله يحركني لمالك ما لا يحركني لزيد. وقال له عمر يوماً: إنك لجزل فأين كان أخوك منك ؟ فقال: كان، والله، أخي في الليلة ذات الأزيز والأصوات والصراد، يركب الجمل الثفال بين المزادتين المتلونتين، ويجنب الفرس الجرور، وعليه الثملة الفلوت، وفي يده الرمح الثقيل حتى يصبح متهللاً، ولقد أسرت مرة في بعض أحياء العرب فمكثت فيهم سنة أحدثهم وأغنيهم، فما أطلقوني. فلما كان بعد، وقف عليهم مالك في شهر من الأشهر الحرم، فحادثهم ساعة ثم استوهبني منهم وهم لا يعرفونه فوهبوني له، فعلمت أن ساعة من مالك أكثر من حول مني.

قال: وأما مرثية دريد بن الصمة فكان الأصمعي يقدمها جداً، وهي أهل ذاك. وكان سبب هذه المرثية أن أخاه عبد الله بن الصمة أحد بني جشم بن بكر بن هوازن، غزا قبائل غطفان بن سعد بن قيس بن مرة، وفزازة وأشجع بن بغيض. فاكتسح أموالهم وانصرف، فلم يجاوز بعيداً حتى أناخ وأمر بالإبل تنحر، فقال له أخوه دريد: يا أبا فرعان، إن غطفان غير نائمة عن أموالها فتقدم شيئاً ثم أنخ. فقال: لا والله لا أريم حتى آخذ مرباعي وأنتقع نقيعتي، فأمر الإبل فنحرت، وأجلسوا ربيئتهم فلما سطعت الدواخن قال له الربيئة: إني أرى غبرة قد ارتفعت أكثر من هذه الدواخن. قالوا: فتأمل ماذا ترى. قال: أرى قوماً على خيلهم كأنهم الصبيان. قالوا: هذه فزازة، لا بأس، فتأمل. قال: أرى قوماً كأنهم غمسوا في الجأب فقالوا: تلك أشجع ولا بأس، تأمل. قال: أرى قوماً كأنما يتقلعون من صخر، يقلعون دوابهم ببوادهم. قالوا: تلك عبس والموت. فلم ينشبوا أن التقى القوم فاقتتلوا شيئاً، ثم نادوا: أردي، والله، فارس هو أبو فرعان، فأقبل دريد فإذا به صريعاً، وأصاب دريداً جراحات. وله خبر في ذلك اليوم ليس من هذا. ففي ذلك يقول في كلمته هذه: الطويل

وقلت لعارضٍ وأصحاب عارضٍ … ورهط أبي السّوداء والقوم شهّدي

أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى … فلم يستبينوا النّصح إلاّ ضحى الغد

فلمّا عصوني كنت منهم وقد أرى … غوايتهم وأنّني غير مهتد

فما أنا إلاّ من غزيّة إن غوت … غويت وإن ترشد غزيّة أرشد

فقلت لهم: ظنّوا بألفي مقاتلٍ … سراتهم في الفارسي المسرد

فنادوا وقالوا: أردت الخيل فارساً … فقلت: أعبد الله ذلكم الردي ؟

فجئت كأمّ الوّ ريعت فأقبلت … إلى جذمٍ من جلد سقبٍ مقدّد

فما راعني إلاّ الرّماح تنوشه … كوقع الصّياصي في النّسيج الممدّد

فإن يك عبد الله خلّى مكانه … فما كان وقّافاً ولا طائش اليد

كميش الإزار خارجٌ نصف ساقه … بعيدٌ من السّوءات طلاّع أنجد

قليل التّشكّي للمصيبات حافظٌ … مع اليوم أدبار الأحاديث في غد

وهوّن وجدي أنّني لم أقل له: … كذبت، ولم أبخل بما ملكت يدي

وأشعار الجاهلية مشهورة معروفة، وإنما نملي منها العيون. ألا ترى إلى قوله قليل التشكي للمصيبات ثم وصله بقوله حافظ مع اليوم أدبار الأحاديث في غد كيف قرن فيه معنى ظريفاً بآخر مثله في الظرافة التي لا يمتنع اللبيب من قبولها واستحسانها والمعرفة بحقيقة ما فيها كما قلنا في الذي قبله.

وكذلك قول كعب بن سعد الغنوي: الطويل

وداعٍ دعا: يا من يجيب إلى النّدى ؟ … فلم يستجبه عند ذاك مجيبٌ

فقلت: أدع أخرى وأرفع الصّوت رفعةً … لعلّ أبا المغوار منك قريب

ألا ترى ما وصفه به من الجود الذي هو عادة يجتمع عليها ثم لم يعدل به أحداً ؟.

وكذلك قول أعشى باهلة في مرثيته المنتشر بن وهب حيث يقول في جلده، إذ كان جل ما فيه مما يمدح به فيما كان به موصوفاً: البسيط

ما يغمز السّاق من اينٍ ومن وصبٍ … ولا يعضّ على شر سوفه الصّفر

ماضي العزيم على العزّاء منصلتٌ … بالقوم ليلة لا ماءٌ ولا شجر

٥ / ٧٩