الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

الخصائص الفنِّيَّة للرُّؤية الإسلاميَّة في شعر محمد ناصر

الجزء ١ · صفحة ١٢٦

النَّظريَّات التَّغريبيَّة إلى الحدِّ الذي يفقد الشِّعر العربي هويَّته، بل إلى الحدِّ الذي يحيل الشِّعر إلى مجرَّد تشكيلات لفظيَّة جوفاء مبهمة، خالية من المعنى، فالشَّاعر محمد ناصر في جنوحه إلى التَّجديد لم يخرج عن إطار الإسلام والشَّكل العام للشِّعر العربي، ذلك أنَّ الشِّعر في منظور الإسلام فنٌّ أدبي تعبيري جميل، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فلا بدَّ أن يلتحم التَّعبير الفنِّي الأدبي مع قيم الحقِّ والخير وما ينفع النَّاس في نسيج واحد، لأنَّ العمل الأدبي من حيث هو كلٌّ، إنَّما يتحقَّق من خلال هذا التَّداخل والتَّجاذب بين الشَّكل والمضمون، فليست هناك حقيقة لعمل فنِّي، لا تتمثَّل فيه علاقة التَّأثير المتبادل بين شكله ومضمونه، ومن ثمَّ يتساقط كلُّ نقد للشِّعر، يقوم على أساس أيديولوجي صرف، كما يتساقط كلُّ نقد جمالي صرف (1).

من خلال هذه النَّظرة التكامليَّة يرى محمد ناصر في كتابه (الشِّعر الجزائري من الرُّومانسيَّة إلى الثَّوريَّة) أنَّه يجب أن يولي الشَّاعر أو الدَّارس أهميَّة لجانب الشَّكل والمضمون معًا، كما أنَّ مفهومه للشِّعر - وفق هذه النَّظرة - يحمل من المرونة والرَّحابة، بحيث يشمل كلَّ تجديد شكلي لا يطيح بما يجب أن يتوافر في التَّعبير الشِّعري من عناصر وخصائص موسيقيَّة ولغويَّة وتعبيريَّة.

أ- البنية الشِّعريَّة:

تنوَّعت البنية الشِّعريَّة عند محمد ناصر ما بين الحفاظ على الشَّكل العمودي للقصيدة وبين شعر التَّفعيلة، الذي يلتزم بموسيقى الشِّعر العربي في نسقها التَّفعيلي، دون أن تساوي التَّفعيلات وتحديدها الثَّابت داخل بحورها، لكنَّ هذا التَّحطيم لنظام العمودي اجتمع فيه الجمال الفنِّي ونبل المضمون، وهذه هي المفاهيم التي تنطوي عليها الرُّؤية الإسلاميَّة للشِّعر … وتتبدّى بجلاء للدَّارس في أشعار محمد ناصر في جلِّ ما أفرزته موهبته الشِّعريَّة المشبعة بالثَّقافة العربيَّة وبالعقيدة الإسلاميَّة.

(1) محمَّد ناصر: "الشِّعر الجزائري من الرُّومانسية إلى الثَّورية 1925 - 1962 م"، وزارة الثَّقافة، الجزائر، أكتوبر 2013 م، ص 207.