تمهيد
الجزء ١ · صفحة ٥١لقد تميَّزت أعمال محمد ناصر بالاحترافية، وبعمق التَّحليل الدَّقيق لجلِّ القضايا التي عالجها أدبه، وبهذا استطاع أن يملأ السَّاحة بالبديل الصَّحيح، حيث يعتبر من أكثر الكتَّاب إنتاجًا في ساحة الأدب الجزائري.
يرجع تميُّز محمد ناصر في مسيرته الأدبيَّة إلى أصالته، فهو يحتفي كثيرًا بالتُّراث، ويأخذ بنصيبٍ وافرٍ من الثَّقافة المعاصرة، أين نضج هذا الاهتمام - بالتُّراث - نضجًا أصيلاً متميِّزًا فيما ألَّفه الكاتب في أدبه نثرًا وشعرًا، ودراساته القيِّمة في هذا المجال، والتي تعتبر محاولات للنَّهضة بالأدب العربي الحديث (1)، كما يرجع تميُّزه إلى نفاذ نظرته وعمق تجربته للحياة. لقد تعلَّق بواقعه المعيش وواقع أمته، إضافة إلى مرجعيَّته الدِّينيَّة المتمثِّلة في القرآن الكريم، الذي كان مثله الذي يحتذيه ونموذجًا ينسج عليه (2).
لقد تظافرت هذه العوامل في صياغة أدب خاصٍّ ذي رؤية إسلاميَّة متميِّزة، تعكس خصوبة التَّجربة الأدبيَّة وصدقها، والقدرة على الكتابة والتَّأليف في نسق عال رصين، يحمل في طيَّاته ما يحمل من قيم أدبيَّة وتربويَّة ودينيَّة.
إنَّ محمد ناصر كان قاصًّا وشاعرًا قبل أن يكون أستاذًا، وللأدب في حياته أثر واضح، حيث أنَّه أولاه اهتمامًا كبيرًا، أكثر من التَّدريس، بل أصبحت تجربته في عالم التَّدريس وسيلة من وسائل العطاء الأدبي، وإثراء تجربته التي مارسها منذ كان طالبًا في معهد الحياة بالقرارة.
لو ذهبنا لحصر الفنون والأشكال الأدبيَّة النَّثرية التي كتب فيها محمد ناصر لرأيناها تتنوَّع، ما بين المقالة والقصَّة والسِّيرة والمسرحيَّة … ونلاحظ أنَّ كلًّا منها له علاقة بمهنته في التَّدريس، ولعلَّ خبرته ومهنته في مجال التَّعليم وتعامله مع الكتب واطِّلاعه على مصادر
(1) محمَّد بن قاسم ناصر بوحجام: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب أبو مسلم الرَّواحي حسَّان عمان"، جمعيَّة التُّراث، القرارة، الجزائر، 1997 م، ص 62.
(2) ينظر محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، مكتبة الضَّامري للنَّشر والتَّوزيع، السِّيب، سلطنة عمان، ط 1، 1993 م، ص 12.