الإبداع الشِّعري عند محمد ناصر
الجزء ١ · صفحة ٨٩بل وفي فكره أيضًا، حيث يقول فيه أحد النُّقَّاد: إنَّ شعره يملك أدوات التَّصوير والتَّخيُّل التي تجعل المجرَّد محسوسًا، والجامد من الأشياء حيًّا، والعواطف السَّائبة مضبوطة، والخيال المبدع خلَّاقا، فصارت الصُّورة الخارجيَّة الواقعيَّة أفكارًا وقيمًا نبيلة، وصارت الأفكار الدَّاخليَّة صورًا ومشاهد موضوعيَّة، هي الفنُّ كما ينبغي أن يكون، نابعًا من الإنسان من حيث هو إنسان، ومتَّجهًا إلى الإنسان تخاطبه فيه ما هو به كان إنسانًا لا شيطانًا رجيمًا ولا ملكًا كريمًا (1).
إنَّ محمد ناصر شاعر إشكالي لا تتأتّى إشكاليته من ثلاثيَّة تكوينه الأدبي والمعرفي؛ لكونه شاعرًا وناقدًا، وأكاديميًّا فحسب، بل من طبيعة شعره وكيفيته الفنَّيِّة، إذ يبدو شعره للوهلة الأولى صلبًا، وخشنًا، يخلو من السَّلاسة اللُّغوية والمرونة والإيقاعيَّة، وجمالية التَّصوير: لكنَّه حين تنجح القراءة بصبرها الضَّروري في الانتماء إلى فضاء هذا الشِّعر وتقاليده ورؤاه والانشغال الحميمي بخصوصيَّة الإشكاليَّة (2)، ستكشف بسهولة ورحابة خطابه وقراءته، وسيبادر بمتعته ولذائذه قبل أن تبادره باحتمالاتها وتأويلاتها.
فالشَّاعر في مواقفه وتجاربه الشُّعوريَّة يرى الحياة وما يخاض فيها على نحو غير الذي يراه العامَّة، فروحه تحلِّق لتتجاوز العلاقات المنطقيَّة التي رسمت لكلِّ شيء، متجاوزًا بذلك القيود الفكريَّة والطبيعيَّة في الواقع، مع الالتزام أثناء هذا التَّجاوز بما يحتِّمه توجُّهه الإسلامي.
عاش محمَّد ناصر في حقبة تاريخيَّة تميَّزت بوجود منعرجات حاسمة في تكوين العقليَّة والفكر الجزائري، كما أنَّ نتاجه الشِّعري صاحب كلِّ مرحلة من المراحل فهو من بين الشُّعراء الذين تداخل فيهم الشِّعر والإصلاح والثَّورة، وهذا التَّداخل الذي جعلهم يتبوَّؤون مكانة الوطني المخلص، أو النَّموذج الوطني الذي من حقِّه أن ينقد ويحاسب أو يحذِّر وينذر (3).
(1) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"، ط 1، 2004 م، مكتبة وهبة، القاهرة، ص 205.
(2) محمد صابر عبيد: "تأويل النَّص الشِّعري"، عالم الكتاب الحديث، الأردن، 2010 م، ص 07.
(3) عمر بوقرورة: "دراسات في الشِّعر الجزائري الحديث"، ص 125.