الخِطاب الشِّعري
الجزء ١ · صفحة ٩٨حرارة وحيويَّة في الشِّعرية الجزائريَّة العربيَّة، وغذَّته في الوقت نفسه بما يكفل شعره قوَّة إبداعيَّة تتجاوز خطوط الحياة في المشهد الشِّعري، وَفق السَّمت الدِّيني والمنطق الإيماني الذي ترعرع في ظلِّه الشَّاعر.
أ- البُعد العقدي:
إنَّ الفهم العميق لعلاقة الشَّاعر بالعقيدة بوصفها مقوِّمًا جوهريًّا فاعلاً ومركَّبا من مقوِّمات تشكِّل الشَّخصيَّة الشِّعريَّة، تعكس رؤية إسلاميَّة، تبرز جماليًّا على الأداء الشُّعري بحساسيته النَّوعيَّة، إذ يقول محمد ناصر في هذا المعنى: فإذا آمن الأديب بأنَّ التزامه نابع عن الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أصبح هذا الشُّعور ذاتيًّا فيه، وبات له مراقبًا ومصاحبًا، وبهذا الإحساس القويِّ في مصدر الالتزام بأنَّه ثابت لا يتغيَّر، ودائم لا يتبدَّل، يصبح أدبه انعكاسًا لإيمانه وعقيدته (1).
إنَّه يعيشها عبر تجربة الإيمان والالتزام وتمثِّل وكشف وتطلُّع، ولا يكتفي بالعمل بها في أموره الدُّنيويَّة، بل يتجاوز ذلك إلى التَّوغُّل في عصبها الدَّاخلي مسلَّحا بالقرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة، ويظلُّ محمد ناصر في شعره على مستويات الرُّؤية الإسلاميَّة والتَّقويم ومراقبة حركيَّة التَّجربة الشِّعريَّة التي لا تكاد تخلو من النَّبرة الدِّينيَّة، حتَّى أنَّ بعض قصائده تلحظ سمتها الدِّينيَّة من خلال عنوانها مثل مولد النُّور، لا أمن دون الفتح، في رحاب الله، صلاة لأوراس الثَّورة، أحبُّك والله يا أخي في الله، لن تسقط يايتسي وفيها مئذنة، الهلال والصَّليب، إنَّما يخشى الله من عباده العلماءُ، الابتهال أمام بيت الله، قرارة القرآن، وبشِّر الصَّابرين، تبَّت يداك أبا لهب …
يستلهم الشَّاعر محمد ناصر من عقيدته روحًا طائرةً في رحاب الله الواسعة في قصيدته في رحاب الله، التي ألقيت في الحفل الكبير، الذي شارك فيه علماء من مختلف أنحاء القطر الجزائري، بمناسبة ختم تفسير القرآن الكريم من فضيلة الشِّيخ بيُّوض إبراهيم (رحمه الله) بعد خمسين سنة من الجهاد في هذا المضمار، الواقع بالقرارة في 23 ماي 1980 م (2).
(1) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، مكتبة الضّامري، سلطنة عمان، 1993 م، ص 17.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعرية الكاملة"، ص 150.