الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

الخِطاب الشِّعري

الجزء ١ · صفحة ٩٩

تضعك عذوبة العنوان المعرّفة (1) (في رحاب الله) في منطقة وسطى، تصل بين الملكوت الإلهي والأنا الشَّاعرة، السَّابحة في ظلِّ هذا الملكوت فيقول:

الله أكبرُ في رحاب الله كمْ يسمُو الشّعُور وتصغُر الأشياءُ

كمْ في رحابِ الله تَلْتَحِم الهُداة، قلوبهمْ كثِيابهمْ بيضاءُ

تحنُو علَى حُبٍّ، كمحرَابٍ حنا لِله، فِيهِ تَضَرّعٌ ودعَاءُ

ويضُمُّهمْ شبْرٌ، وشِبْرٌ عند بيْتِ اللهِ من نور ِالصَّفاءِ فضاءُ

الله أكبرُ، في رحَاب الله، قفرٌ في الصَّحَارى جنةٌ خضراءُ (2)

تبدو العلاقة بين العبد (الشَّاعر) وربِّه على قدر كبير من الجدل، لاسيَّما حين تأخذ شكلا شعريًّا ينهض على التَّخيُّل، إذ يمنح العلاقة صفاء أكثر، وحيوية أعمق، وغنائية أعلى، على النَّحو الذي يصبح فيه هذا الشَّاعر يجسِّد العبودية الحقَّة لله، ويلغي الأنا الدُّنيويَّة، متضرِّعًا في بيت الله وفي رحابه الواسعة والمتحوِّلة، من المنظر الصَّحراوي القاحل إلى الجنَّات الخضر، بفضل غنى النَّفس وحبِّ الأخوَّة، ورباط العلم.

يواصل الشَّاعر الإغراق في حب الذَّات الإلهيَّة حتى بلوغ درجة التَّصوُّف، فيقول في هذه الأبيات:

أَنا مِنْ جَلالِكَ يَا رِحَابَ الله … في أفُق سماويٌّ، عَليه رُواءُ

فإِذَا هَذَيْتُ، عُذِرْت، إِنّي … إخوَتِي فِي نَشْوَة روحِيَّة هَذَّاءُ (3)

ويطول الحديث عن العلاقة بين الشَّاعر محمد ناصر والتَّصوُّف، فيرجع هواه بالصُّوفيَّة، وتعلُّقه بها إلى طفولته، ومنشأ الصِّلة وأصل العلاقة من تكوينه الأوَّل في مدرسة الحياة بالقرارة على أيدي مشايخها وعلمائها، في ظلِّ البياض النَّاصع، والأخضر نبع الحياة.

(1) محمد صابر عبيد: "تأويل النَّصِّ الشِّعري"، عالم الكتب، الأردن، 2010 م، ص 101.

(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعرية الكاملة"، ص 150.

(3) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 151.