مقدمة (واقع التراث الإباضي)
الجزء ١ · صفحة ٣وكان هذا الواقع المؤلم مصاحبا للمذهب ، وتراثه في المشرق والمغرب ، منذ نشأته في منتصف القرن الثاني الهجري إلى حين قيام أول دولة قوية للإباضية وهي الدولة الرستمية ، أو بعبارة أدق نستخدم فيها مصطلحا طالما استخدمة أصحاب هذا الفكر ، من مرحلة الكتمان إلى مرحلة الظهور . ففي ظل الدولة الرستمية التي وفرت الحماية لحرية الفكر والتعبير لمذهبها الذي اعتنقته ولغيرها من المذاهب والطوائف الأخرى ، وبفضل العدالة الإسلامية التي انتهجتها الدولة الرستمية كطريقة حكم ازدهر التأليف ، وكثرت حلق المذاكرة ، وشاعت أسواق الجدال والمناظرة ، وأنتجت هذه السياسة الرشيدة مكتبة المعصومة التي أشاد بتراثها المؤرخون ، ولكنها والأسف ملء الجوانح ، احترقت أثناء هجوم عبيد الله الشيعي على تاهرت ، وكانت شاهدة لأئمة الدولة الرستمية بالنزاهة والعدل ، بقدر ما ستبقى شاهدة على أعدائهم الفاطميين على التعصب المقيت ، ومعاداة أنوار العلم والمعرفة .
وشهد الفكر الإباضي مرحلة أخرى من الاضطهاد والظلم ، وعاد أصحابه مرة أخرى إلى مرحلة الكتمان ، متسترين بالشعاب والمسالك الصحراوية ، لائذين بعقيدتهم إلى واد غير ذي زرع ، وكان ذلك حالهم إلى حين استقرارهم بوادي ميزاب في بداية القرن الخامس الهجري .