دراسات عن الإباضية [نسخة مبوبة] عمرو بن خليفة النامي

مقدمة (واقع التراث الإباضي)

الجزء ١ · صفحة ٤

وأحب أن أوكد على أن هذه المرحلة رغم قساوتها السياسية ، فإنها لم تعرف نضوبا فكريا ، إذ أن المصادر الخاصة بدراسة سير العلماء والمشايخ والأئمة تدل على أن الإباضية كانوا مثل غيرهم من المذاهب الأخرى أصحاب عناية بالتأليف ، والتحقيق والتدوين ، ولا سيما في الشريعة والتاريخ . فالذي يرجع إلى سير الشماخي ، أو جواهر البرادي ، أو ملحق السير لأبي اليقظان يتأكد من هذا التراث المعرفي الواسع ، فمن خلال عناوين هذه المؤلفات يدرك أن الإباضية ألفوا في مختلف العلوم الإنسانية ، وأنهم كتبوا في شتى ضروب المعرفة ، ولعل بعض البيبلوغرافيات الحديثة مثل تلك التي قام بإعدادهما لفتسكي ، أو شاخت أو غيرهما من الأوروبيين تساعد على تصور نصيب الإباضية ومكانتهم في هذا المجال . على أنه لو قام احد بإحصاء جميع الكتب التي ألفها أصحاب هذا الفكر ونسبتها المئوية إلى عددهم ، ثم فعل مثل ذلك في بقية المذاهب ، ثم قارن بين نسب الجميع ، لوجد نسبتهم من أعلى النسب إن لم تكن أعلاها ، على أن الكثير منها ضاع للملاحقة السياسية التي لم تتوقف في أي زمان عن مطاردتهم ومضايقتهم بشتى الأساليب والصور ، حتى بلغت في مداها أحيانا حرق الكتب والمكتبات ، وفي أحيان كثيرة تكون أصابع الفقهاء المتعصبين وراء أجهزة السلطة ....وإلى الآن لا تزال أكثر كتب هذا الفكر وأهمها مجهولة حتى عند أصحابها أنفسهم .

ولكن الذي يؤسف له حقا هو أن هذا التراث ضاع أكثره إذ جنت عليه الظروف الخارجية ، من حروب وملاحقات ، وأودى ببعضه الآخر الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي لم تساعد أهل العلم على الاستقرار النفسي لمتابعة المسيرة ، بل إنهم زهدوا في نشر هذا التراث وطبعه .

---

٤ / ٣٥٠