الفصل الثاني أدلة المثبتين للرؤية
الجزء ١ · صفحة ٥٣فالوصف والغاية والشرط معا أقوى مفاهيم وأجلى موقعا
ومن النوادر التي ينبغي أن تُدَّخر لتسلية الثكالى، ما حكاه ابن القيم في حادي الأرواح عن ابن المبارك أن الضمير في قوله تعالى: (هذا الذي كنتم به تكذبون) الآية 17 من سورة المطففين عائد إلى الرؤية (1) ليتسنى حمله على وعيد المنكرين لها، وقد رقص على أنغام هذه الرواية كثير من الذين يقولون ما لا يعلمون ويجترُّون (كل) ما يلقى إليهم، من بينهم صاحب المحاضرة فيما سمعته من محاضرته المسجلة بصوته في الشريط كما أشرت إليه من قبل، فقد جاء فيها أن هذا الوعيد واقع بالإباضية الذين أنكروا الرؤية وأنهم المقصودون به، وليت شعري هل هذا القول ناشئٌ عن هوى أصمَّ صاحبه وأعماه، أو عن جهله باللغة وأساليب الكلام، فإن مما يدركه كل من له معرفة بلغات الناس، أن الإشارة لا تكون إلا إلى مشار إليه سواء كان حاضرا أو في حكم الحاضر لتقدم ذكره، والضمير في الآية عائد إلى اسم الإشارة الذي قصد به ما تقدم ذكره من صلى الجحيم، ونحو هذا قوله تعالى: (انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون، انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب) الآيات 29 - 31 من سورة المرسلات ولو كان الأمر كما ادعوا لكان ذلك قاضيا بأنهم يرونه سبحانه، فإنك عندما تقول لأحد تبكيتا وتقريعا: هذا الذي كنت لا تصدق به، لا يمكن إلا أن تكون مشيرا إلى شيء أوضحته له بعد الخفاء، فقامت بوضوحه الحجة عليه به، ولولا تفاهة قولهم هذا الذي حملوا عليه كتاب الله تعالى غير مبالين بتحريف الكلم عن مواضعه، لسقت نصوصَ أقوال المفسرين في قوله: (هذا الذي كنتم به تكذبون) لا سيما الذين يعتقدون الرؤية منهم، ليتضح خطأ هذا التأويل الفاسد، غير أن فساده أبين من أن يحتاج إلى بيان.
(1) / حادي الأرواح ص241 ط دار الكتب العلمية بيروت - لبنان