الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثاني أدلة المثبتين للرؤية

الجزء ١ · صفحة ٥٤

وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل

(5) قوله تعالى: (على الأرائك ينظرون) الآيات 23 - 25 من سورة المطففين وهو استدلال بما لا دليل فيه، فإن غاية ما في الآية وصفهم بالنظر من غير ذكر للمنظور إليه، ومن المعلوم قطعا أنهم يتمتعون بالنظر إلى أصناف النعم، وأنواع الغرائب التي تبهج نفوسهم، وتقر عيونهم، ولم يقل أحد من السلف أن المراد بالنظر في الآية رؤية الله، بل روى ابن جرير وغيره عن ابن عباس وقتادة وآخرين أنهم ينظرون إلى أعدائهم في النار ساخرين منهم، وهذا الذي يقتضيه السياق، وعوَّل عليه المفسرون إلا من شذ منهم.

-5

الآيات المصرحة بلقاء الله، وذلك أنهم فسروا اللقاء بالرؤية، وهو خطأ فإن اللقاء أعم منها، فقد يكون فيما لا يرى، كما في قوله تعالى: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه) الآية 143 من سورة آل عمران، ولا يختلف في جواز قول الأعمى: لقيت فلانا، ومن الكلام المعهود عند العرب أن يقول قائلهم: لقيت من هذا الأمر شدة، أو فرجا ومخرجا، أو عُسرا، أو يسرا، أو خيرا أو شرا، وقد جاء في القرآن وعد غير المؤمنين باللقاء، كقوله تعالى: (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه) الآية 77 من سورة التوبة، وقوله: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) الآية 6 من سورة الانشقاق، فإن قيل بأن الضمير في الأول عائد إلى النفاق، وفي الثاني إلى الكدح لا إلى الله،

قلنا وفي هذا أيضا حجة لنا على أن اللقاء أعم من أن يكون بمعنى الرؤية، فإن النفاق والكدح لا يريان لأنهما من الأعراض.

وقد فُسِّر لقاء الله بالإنتقال إلى الدار الآخرة، لما يتحقق به من وعد الله سبحانه، ويتجلى من أسرار غيبه، وقد أطلق على الموت مراعاة لهذا المعنى، ويقال فيمن مات لقي الله، وفي اللسان نقلا عن ابن الأثير في

٥٤ / ٢٣٩