الفصل الثاني أدلة المثبتين للرؤية
الجزء ١ · صفحة ٥٧2) كونه سبحانه مرئيا لهذه الأمة مؤمنها ومنافقها في الدنيا رؤية جلية تترك صورته منطبعة في أذهان الرائين، حتى إذا جاءهم في صورة أخرى أنكروا أن يكون ربهم واستعاذوا بالله منه، وإلا فبم عرفوا صورته حتى أنكروه عندما جاءهم في غيرها، وعرفوه إذا انقلب إليها، مع أن ذلك هو أول موقف من مواقف يوم القيامة.
وقد حَصَلَتْ مناظرات بيني وبين بعض العلماء في ذلك، ولمَّا ألزمتهم هذه الحجة أجابوا بأن هذه المعرفة بصورته ليست نتيجة رؤية سابقة، ولكنها بسبب ما عرفوه من وصفه لنفسه في كتابه ووصف النبي صلى الله عليه وسلم له في سنته، فألزمتهم أن يكون كل من قرأ كتاب الله ودرس سنة رسوله صلى الله عليه وسلم عارفاً بالصورة الحقيقية التي يرى بها ربه سبحانه وتعالى، حتى إذا رآه في غيرها أنكره، فهلمَّ إلى وصف هذه الصورة وتحديدها لنا مما عرفتموه من قراءتكم للقرآن، ومطالعتكم لأحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، فأحجموا ودحضت حجتهم والحمد لله.
وإن مما يبطل تأويلهم الذي لجأوا إليه - فراراً من هذا الإلزام - مخالفته لصريح ما نص عليه حديث أبي سعيد عند الشيخين، ففي البخاري عنه بلفظ (فيأتيهم الجبار في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرَّةٍ) وأما لفظ مسلم فهو (حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برٍّ وفاجر أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها) واللفظان صريحان في أن معرفتهم بصورته ما كانت إلا عن رؤية سابقة، ولا محيص - لمن أخذ بهذا الظاهر - عن القول بأنه مرئي في الدنيا - وقد أنكره أكثرهم، ومن قال به حصر رؤيته في مخصوصين، ولم يقل بشمولها الأبرار والفجار من هذه الأمة - أو القول برؤيته في البرزخ، وهو ما لم يقله قائل من قبل، فضلاً عن وجود مستند له.
وبعد هذا الذي قررته، رأيت في فتح الباري ما نصه (وقال غيره