الفصل الثاني أدلة المثبتين للرؤية
الجزء ١ · صفحة ٥٩(5) أن غالب معتقدي الرؤية يقولون أنها تحصل بلا كيف، وتشبيهها برؤية القمر في الحديث في قوله: (كذلك ترونه) ينافي هذا القول، وكذلك ما فيه من ذكر الصورة وإنكارهم لها عندما تتغير عما عهدوها.
ولأجل هذا الإشكال في الحديث، هام القائلون بثبوت الرؤية في فهمه، حتى أن ابن بطَّال نقل عن المهلب قوله: (إن الله يبعث لهم ملكاً ليختبرهم في اعتقاد صفات ربهم الذي ليس كمثله شيء، فإذا قال لهم: أنا ربكم، ردّوا عليه لما رأوا عليه من صفات المخلوقين بقولهم: فإذا جاء ربنا عرفناه؛ أي إذا ظهر لنا في ملك لا ينبغي لغيره، وعظمة لا تشبه شيئاً من مخلوقاته، فحينئذ يقولون: أنت ربنا) (1).
وهذا كلام إن دل على شيء فإنما يدل على الحيرة مع الإصرار على تأييد فكرة معينة ثبتت أو لم تثبت، ويرده أمران:
أن الكذب بغيض إلى الله قبيح عنده، فلم يكن الله ليأمر به، فإن الله لا يأمر بالفحشاء والمنكر ولكنه ينهى عنهما، وإن أعظم الكذب وأفحشه أن يزعم عبد من عباد الله أنه هو الله، ولم يكن لأحد من ملائكة الله الذين هم أعرف الخلق بحقه، وأخوفهم من عقابه، أن يجترئ على القول بذلك.
أولهما
أن تلك الدار دار جزاء وليست دار ابتلاء في اعتقاد ولا غيره، وجزاء الناس إنما هو بحسب ما كانوا عليه في الحياة الدنيا من اعتقاد أو عمل، لا بحسب ما يكون منهم في الدار الآخرة.
ثانيهما
وإذا حُملت الرؤية في الحديث على المعرفة انحلّ الإشكال، وانجلى اللبس، وزال التعارض، اللهم إلا ما يكون من الإشكال في قولهم: (نعوذ بالله منك) فإن العياذ من الله لا يتصور أن يكون من مؤمن في أي موقف،
(1) / فتح الباري ج13 ص 426 المطبعة السلفية