الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثاني أدلة المثبتين للرؤية

الجزء ١ · صفحة ٦١

الظل) الآية 45 من سورة الفرقان، وقوله: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد) 44، وقوله: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) 45، وقوله: (ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض) 46، وقوله: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن) 47، وقول الشاعر بـ (رأيت الله أكبر كل شيء)، وقول غيره: (رأيت الله أهلك قوم عاد).

ودعوى أن الرؤية لا تكون بمعنى العلم إلا إذا تعدت إلى مفعولين، مردودة بقوله تعالى: (فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) 48، وقوله: (ألم يرو كم أهلكنا من قبلهم من قرن).

ولا ريب أن في الجنة من التجليات الربانية لأصحاب السعادة ما يفوق ما يكون في مواقف القيامة، فلا غرو إذا عبر عنها أصدق الإنس والجن، وأبلغ العرب والعجم بالرؤية، أو نحوها من العبارات تقريباً للأفهام، وقد كان صلى الله عليه وسلم يخاطب العرب باللسان العربي المبين الذي نشأوا عليه، فعرفوا معانيه، وأدركوا مراميه، فلا تعجبوا إذا لم يشكل عليهم هذا الخطاب. وإذا كان العبد إذا أخلص لله تعالى في هذه الدار الدنيا - مع كثافة حجب طبائعها المادية المظلمة - تتراأى له في ذكره ودعائه مشاهد العظمة، ويتكشف له من آيات الجلال ما يجعله يغيب عن وجوده، غارقاً في عالم شهوده، مشغولاً عن نفسه بما يمده به الحق تعالى من ألطاف الإنس، المتراسلة من حظائر القدس، خصوصاً في بعض الأحوال كخلوات العبادة، وفي بعض الأزمان، كليالي رمضان، وفي بعض البقاع كالحرمين الشريفين، فما بالكم بالدار الآخرة التي أعدت للمتقين، حيث ترقى نفوسهم إلى أوج الكمال الإنساني.

ولا ينكر هذه المشاهد الأُنسية في هذه الدار الدنيا إلا من حُرِم شفافية

٦١ / ٢٣٩