الفصل الثاني أدلة المثبتين للرؤية
الجزء ١ · صفحة ٦٢الروح، ورقة الشعور والوجدان التي يشعر بها العبد وهو ماثل بين يدي الله تعالى، داعيا أو ذاكرا، حتى يكون كأنه من أنسه بربه يرى ذاته تعالى بأم عينيه، من غير أن يتحول تعالى عن صفته الذاتية، وهي عدم إدراكه بالأبصار، وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المرتبة بالإحسان، وذلك في قوله (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فأي عجب إذا حصل للمؤمنين الصادقين في إيمانهم، المخلصين في عملهم، ما هو أبلغ في الدار الآخرة من ذلك من التجليات الجلالية لعقولهم وقلوبهم؟ وأي بدع إن عبر عن ذلك بالرؤية مع ورود مثله في اللسان العربي؟
وبهذا يتضح المراد بالرؤية في الأحاديث، وبه يمكن الجمع بينها وبين آيات التنزيه الناصة على منعها، ومهما يكن فإن هذه الأحاديث آحادية، والآحادي لا تنهض به حجة في الأمور الإعتقادية لأن الإعتقاد ثمرة اليقين، واليقين لا يقوم إلا على الأدلة القطعية المتواترة نقلا، النصية دلالة بحيث لا تحتمل تأويلا آخر، والحديث الآحادي لا يتجاوز ثبوت متنه الظن، فلذلك قال المحققون إنه يوجب العمل ولا يفيد العلم، وإذا كانت هذه درجة الآحادي في الحجية فكيف إذا عُورض بالنصوص القطعية من القرآن، ولذلك نحكم بسقوط الروايات الصريحة في تشبيه الخالق بالخلق إذا لم تحتمل التأويل، لاستحالة أن يصدر ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، وذلك كحديث (إذا كان يوم الجمعة نزل على كرسيه ثم حف الكرسي بمنابر من نور، فيجئ النبيون حتى يجلسوا عليها .. الخ) فإنه مصادم للعقل والنقل، بل هو مصادم لما يقوله معتقدوا الرؤية أنفسهم من أنه يرى بدون إحاطة، فإنه يلزم أن يكون محاطا به قطعا إذا كان النبيون تحف منابرهم بكرسيه الذي يستوي عليه.
وإذا كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لم يقبل بعضهم ما رواه