الفصل الثالث- في أدلة النافين
الجزء ١ · صفحة ٦٩بالأبصار صفة ذاتية لازمة له تعالى، فإنه لو رؤى للزم زوال مدحه وإذا زال انقلب إلى ضده، وهو الذم تعالى الله عنه، ومن ناحية أخرى فإنه إخبار من الله سبحانه بوصف من أوصافه، وأخبار الله لا تتبدل، لأنها لو تبدلت كان التبدل تكذيبا لها (ومن أصدق من الله قيلا).
واعترض على هذا الإستدلال من خمسة أوجه
أن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية، وبينهما فرق، فإن الإدراك هو الإحاطة بالمدرك من جميع جوانبه وهو مستحيل عليه تعالى، والرؤية لا تستلزمه فهي أعم منه، ونفي الأخص ليس نفيا للأعم كما أن قوله تعالى: (ولا يحيطون به علماً) لا ينفى مطلق العلم، فإن للعباد معرفة به تعالى يخشونه بها ويرجونه، ويطيعونه ويعبدونه، وإنما هو ناف للإحاطة بكنه ذاته سبحانه، وهذا أشهر ما عولوا عليه في دفع هذه الحجة، ولذلك سرعان ما تجدهم يهرعون إليه للتخلص منها
أولها
أن الآية ليس فيها أكثر من نفي كون جميع الأبصار تراه (وهو الذي يُعبر عنه بسلب العموم) وليست نافية أن يكون كل فرد من أفراد جنس الأبصار رائيا له (وهو ما يُعبر عنه بعموم السلب) والكل متفقون على أنه تعالى لا تراه جميع الأبصار وإنما يراه بعضها، وأقل ما يقال بأن الآية محتملة لهذا المعنى، والدليل إذا طرقه الإحتمال سقط به الإستدلال، وقد بالغ بعض غلاتهم المتعصبين فقلب مدلول الآية رأسا على عقب، زاعما أنها أدل على ثبوت الرؤية منها على نفيها، بانيا قوله هذا على أن جملة (لا تدركه الأبصار) الآية 110 من سورة طه، نافية غير مقيدة بعموم أو خصوص، فتحمل على عدم إدراك بعض الأبصار دون جميعها، وتخصيص البعض بالنفي دال بمفهومه على إثبات المنفي للبعض الآخر
ثانيها
أنها وإن عمَّت في الأشخاص فإنها لا تعم في الأزمان، لأن نفيها مطلق وليس مقيدا بدوام.