الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثالث- في أدلة النافين

الجزء ١ · صفحة ٧٤

من إدراك عدوهم مع أن الترائي حصل بين الجانبين، وتابعه ابن حزم (1) ونقل ذلك الحافظ بن حجر عن القرطبي صاحب المفهم، وتعقبه الحافظ بقوله: "وهو استدلال عجيب لأن متعلق الإدراك في آية الأنعام البصر، فلما نفي كان ظاهره نفى الرؤية بخلاف الإدراك الذي في قصة موسى، ولولا وجود الأخبار بثبوت الرؤية ما ساغ العدول عن هذا الظاهر" (2).

وأضيف إلى ما قاله الحافظ بأن الإدراك يتفاوت معناه بحسب تفاوت أنواع المدركِات - بالكسر - فإدراك العين رؤيتها للشيء، وإدراك الأذن سماعها للصوت، وإدراك اليد مسيسها للجسم، وإدراك السيف وقعه على المضروب، وإدراك السهم إصابته للمرمى، وإدراك الرمح إصابته للمطعون، وإدراك العدو لعدوه تمكنه منه وقدرته على إنزال السوء به، فأصحاب موسى عليه السلام ما كانوا يتوقون مجرد رؤية عدوهم لهم، وإنما كانوا يحذرون من تمكنه منهم.

وكلام ابن حجر يفيد أنه يرى رأينا في تفسير الآية، غير أنه يستند في معارضته هذا المفهوم بالأخبار المثبتة للرؤية، وقد علمت أخي القارئ ما في تلك الأخبار المشار إليها من عدم إفادتها ثبوت رؤيته تعالى، كما سبق بيانه فثبتت والحمد لله قطعية حجتنا.

وإن من أحسن ما قرأته في تفسير هذه الآية الكريمة قول الإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المشهور بالجصاص في كتابه (أحكام القرآن) ونصه: "يقال إن الإدراك أصله اللحوق، نحو قولك: أدرك زمان المنصور، وأدرك أبا حنيفة، وأدرك الطعام أي لحق حال النضج، وأدرك الزرع والثمرة، وأدرك الغلام إذا لحق حال الرجال"

(1) / الفصل في الملل والأهواء والنحل ج3 ص2 ط مكتبة السلام العالمية

(2) / فتح الباري ج8 ص607، المطبعة السلفية

٧٤ / ٢٣٩