الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثالث- في أدلة النافين

الجزء ١ · صفحة ٧٥

"وإدراك البصر للشيء لحوقه له برؤيته إياه، لأنه لا خلاف بين أهل اللغة أن قول القائل أدركت ببصري شخصا معناه رأيته ببصري، ولا يجوز أن يكون الإدراك الإحاطة لأن البيت محيط بما فيه وليس مدركا له، فقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) معناه لا تراه الأبصار، وهذا تمدح بنفي رؤية الأبصار، كقوله: (لا تأخذه سنة ولا نوم)، وما تمدَّح الله بنفيه عن نفسه إثبات ضده ذم ونقص، فغير جائز إثبات نقيضه بحال، كما لو بطل استحقاق الصفة بـ (لا تأخذه سنة ولا نوم) لم يبطل إلا إلى صفة نقص"

ولا يجوز أن يكون مخصوصا بقوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) لأن النظر محتمل لمعان منه انتظار الثواب كما روي عن جماعة من السلف، فلما كان ذلك محتملا للتأويل لم يجز الاعتراض عليه بما لا مساغ للتأويل فيه".

"والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم، لو صحت، وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة، ولا تعرض فيه الشكوك لأن الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة" (1).

أما الاعتراض الأول

فهو مناقض لتمدحه تعالى في الآية بعدم إدراك الأبصار له، فإنه إن حمل على سلب العموم - كما قالوا - لم يبق معنى للإمتداح، لأن المخلوقات المرئية كلها مشاركة لله تعالى في هذه الصفة، إذ ما من مخلوق رأته أو تراه جميع الأبصار حتى الشمس - التي هي أكثر انكشافا لمن على ظهر الكوكب الأرضي جميعا، فإن أصحاب العوالم الأخرى لا يرونها لبعدهم عنها، كما أننا لا نرى ما هو أكبر وأنور منها من الأجرام النائية السابحة في المجرات السحيقة - فضلا عن البشر

(1) / أحكام القرآن ج3 ص4 ط دار الكتاب العربي

٧٥ / ٢٣٩