الفصل الثالث- في أدلة النافين
الجزء ١ · صفحة ٧٦وأمثالهم، فإن أي إنسان منا لا يمكن أن تراه جميع الأبصار المعاصرة له في هذه الأرض نفسها فضلا عمن مات قبله، أو يأتي بعده، أو كان في عوالم أخرى من المبصرين، ومن ناحية أخرى فإن تجويز هذا التأويل في الآية يقتضي جوازه في أمثالها، نحو (إن الله لا يحب المعتدين) الآية 190 من سورة البقرة و الآية 87 من سورة المائدة، (إنه لا يحب المسرفين) لآية 141 من سورة الأنعام و الأعراف 31 من سورة الأعراف، (والله لا يحب الظالمين) الآيتان 57 و 140 من سورة آل عمران، (إن الله لا يحب كل مختال فخور) الآية 18 من سورة لقمان، إذ لا فارق بينها فإنها جميعا سيقت مساق المدح له تعالى وهو كاف في إسقاط الإحتمال الذي ذكروه.
وأما جعل الآية دليلا على جواز الرؤية لأنها نافية غير مقيدة بعموم أو خصوص، فتحمل على عدم إدراك بعض الأبصار دون جميعها بناءً على أن تخصيص البعض بالنفي دال بمفهومه على إثبات المنفي للبعض الآخر، فهو أضعف من أن يحتاج إلى إضعاف، لأن كل من صحا عقله من سكرة الهوى، وسلم ذوقه من فساد الفطرة يدرك بطلانه، فإن النفي في قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) لم يخص ببعض الأبصار دون بعض، وإنما يعمها بلفظه الصريح الذي تؤيده القرائن، وذلك أن التعريف في الأبصار قاض بعمومها، سواء حملناه على الجنس أو الاستغراق، فإن حملناه على الاستغراق فهو أظهر من أن يحتاج إلى بيان، إذ لا معنى للاستغراق إلا شمول أفراد مدلول اللفظ، وإن حملناه على الجنس فمن حيث أن أي فرد من أفراد جنس ما يوجد مدلول ذلك الجنس ضمنه إثباتا أو نفيا، ولو كان هذا القول صحيحا لما حكم بالحنث على من يقسم بالله الأيمان المغلظة أنه لم يزر القبور مع أنه يتردد على زيارتها في كل أوقاته، إذ لا يعقل أن يزور جميع القبور في الأرض، كما أنه يترتب عليه أن يكون من أقسم بأنه لم يزن بالنساء - وقد زنى بألوف النساء - صادقا في قوله غير حانث في يمينه، لتعذر أن يزني زان بجميع نساء الأرض،