الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثالث- في أدلة النافين

الجزء ١ · صفحة ٧٧

وكذلك يلزم عدم حنث من حلف بأنه لم يسرق التمر وقد سرق من التمور ما لا يدخل تحت إحصائه ولا إحصاء غيره، بل يلزم على هذه الدعوى أن يكون قول القائل لم أزر القبور منبِّئا أنه قد زار بعضها وكذا في أمثاله.

فإن قيل لعل تعريف الأبصار عند هذا القائل عهدي ليس للجنس ولا للاستغراق، فجوابه أن حمله على العهد مناف لما تدل عليه الآية من التمدح الذي يقتضيه سياق ما قبلها وما بعدها، والعهد لا بد له من معهود ولا معهود، ولو فرضنا أن ثم معهودا فهل يمكن أن يكون نفي شيء عن معهود قاضيا بإثباته لغيره؟ وهل هذا إلا من باب الإحتجاج بمفهوم اللقب، الذي لا يعول عليه في الظنيات فكيف بالقطعيات؟

وأما الاعتراض الثاني

وهو أن النفي المطلق لا يدل على الدوام - فهو مرفوض لغة وعرفا وشرعا، فإن كل أحد يدرك أن قول القائل: لا أشرب اللبن دال على نفي الشرب في أي وقت من الأوقات، ولولا ذلك لما حنث من حلف أنه لا يزني ولا يسرق ولا يشرب الخمر ولا يقتل النفس المحرمة بغير حق، إذا أتى أي شيء من ذلك في مستقبل الزمان، بناء على أن النفي المطلق غير شامل للأزمنة.

ومما لا خلاف فيه أن للنهي حكم النفي ولئن ساغ هذا القول لم يبق أمر محجور فيسوغ للناس أن يأكلوا الربا الذي حرمه الله في كتابه، وأن يقتلوا النفس المحرمة بغير حق، وأن يرتكبوا كل فساد في الأرض، ويأتوا كل منهي في الإسلام، متذرعين إلى ذلك كله بدعوى أن النهى غير شامل لعموم الأزمنة.

وما تقد تقريره من أن هذه الآية - كسائر الآيات التي انتظمت في سلكها، سيقت مساق مدحه تعالى مبطل لهذه الدعوى، إذ لو حمل النفي فيها على الدار الدنيا دون الآخرة لجاز مثله في نظائرها نحو قوله تعالى:

٧٧ / ٢٣٩