الفصل الثالث- في أدلة النافين
الجزء ١ · صفحة ٨١المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته، ولهذا لم يمتدح بعدم محض لا يتضمن أمرا ثبوتيا، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم ولا يوصف الكامل بأمر يشترك وهو المعدوم فيه فلو كان المراد بقوله: (لا تدركه الأبصار) أنه لا يُرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال، لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإن العدم الصرف لا يرى ولا تُدركه الأبصار، والرب جل جلاله يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض، فإذا المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به" (1).
وهو كلام يُشْدَه منه كل من كان يتمتع بشيء من العقل الذي لم يتكدر بتأثير الهوى، فإنه ظاهر البطلان، بيّن التناقض، وناهيك أنه أثبت في صدره أن الآية ذكرت في سياق التمدح، ثم أتبع ذلك أن الله لا يمتدح بعدم محض، وانتهى به التطواف إلى القول بأن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار، ثم أتى بنتيجة ذلك كله وهي أن الله يُرى ولا يدرك، وعليه فيلزمه من ذلك أن لا يكون نفي إدراك الأبصار لذاته تعالى مدحا له، وأن تكون ذات الله العلية ممكنة الإحاطة بها بناءً على ما فسر به الإدراك - لأن العدم الصرف لا يدرك أيضا كما نص عليه بنفسه.
وبالجملة فإن أعجب ما جاء به ابن تيمية في كلامه هذا، عرضه النصوص القطعية على قاعدة مصطنعة من الخيال والوهم، ليس لها أسس من العقل، ولا دعائم من النقل، مع أن الواجب علينا - معاشر العباد - أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، وأن ننفي عنه ما نفاه بنفسه، فإنه سبحانه أعلم بذاته وصفاته، وليس لنا أن نعترض عليه في نفيه أو إثباته.
(1) / ابن القيم: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص209/ 210، نقلاً عن ابن تيمية، وانظر كذلك المنار ج9 ص132 ط4