الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثالث- في أدلة النافين

الجزء ١ · صفحة ٨٢

وإن من أعجب العجاب أن يشتد إنكار الحنابلة - ومن بينهم ابن تيمية وابن القيم - على المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم فيما هو أولى بالصواب، وأجدر بالحق، وأدنى إلى الحقيقية من أسس علم الكلام الجامع بين براهين بالعقل ونصوص النقل، بينما تجدهم يطلقون لخيالهم العنان في استنتاج أمثال هذه الأوهام، لا لغرض غير التهرب من قهر النصوص وقبضة البراهين.

ولو سلمنا جدلا لهذا المنطق المتداعي لقلنا إن في نفي الرؤية عن الله سبحانه إثباتا لصفة كمال له عز وجل وهي الكبرياء، ففي الحديث الصحيح نص صريح بأن كبرياء الله سبحانه مانعة من رؤيته، وذلك فيما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) فأي إشكال مع هذا في نفي الله سبحانه أن ترى الأبصار ذاته العلية.

ومع التسليم المفترض - وهو غير واقع - بأن بين الرؤية والإدراك فرقا في المعنى، فإن ابن تيمية ملزم - حسب هذه القاعدة التي اصطنعها من خياله - بأن يكون مثبتا لله تعالى ما نفاه من إدراك الأبصار لذاته.

وإن من أخطر الخطر على الدين أن تعصف أعاصير الهوى بعقول العلماء المتبحرين حتى يتلاعبوا بالنصوص كما شاءوا، فيجعلوا من النص حجة على خلاف معناه.

وأما الفخر الرازي فقد قال: "لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله: (لا تدركه الأبصار) ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته، والعلوم، والقدرة، والإرادة، والروائح، والطعوم لا يصح رؤية شيء منها، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها، فثبت أن قوله: (لا تدركه الأبصار) يفيد المدح، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح

٨٢ / ٢٣٩