الفصل الثالث- في أدلة النافين
الجزء ١ · صفحة ٨٨وأما التأبيد فهو يختلف بحسب اختلاف الأحوال وتفاوت مقامات الخطاب، فبما أن اليهود شغفوا بالحياة الدنيا، وأخلدوا إليها، وكانوا مشفقين من الموت لما يعلمون وراءه من العذاب، فضلا عن حرصهم على ما يقضونه من شهواتهم في هذه الحياة، كان تأبيد عدم تمنيهم الموت محصورا في الحياة الدنيا، وبما أن الله سبحانه وتعالى لا تجري على ذاته الأحوال، ولا يجوز على صفاته التبدل والانتقال كان نفي الرؤية المنافية لكبريائه أزليا أبديا سواء نفي بلن أو بغيرها.
وأما تفرقه ابن الخطيب الزملكاني بين (لن) و (لا) النافيتين فهي لا تتعدى أن تكون تحكيما لذوقه، واللغات لا تستفاد معانيها من الأذواق وإنما تحكم فيها النقول الثابتة عن ألسنة أصحابها التي هي منابع بيانها، والشواهد الثابتة من ذلك تدل على خلاف ما قال، وكفى بما جاء في القرآن الكريم من ترادف (لن) و (لا) على منفي واحد كقوله تعالى: (ولن يتمنوه) الآية 95 من سورة البقرة، مع قوله: (ولا يتمنونه) الآية 7 من سورة الجمعة، وانتفاء إتيان المشركين بمثل سورة من القرآن وخلق آلهتهم للذباب بلن في قوله تعالى: (ولن تفعلوا) الآية 24 من سورة البقرة، وقوله: (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا) الآية 73 من سورة الحج، مع أنه معلوم قطعا أن هذا النفي أبدى.
-2
قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) الآية 51 من سورة الشورى، وقد استدلت به عائشة رضي الله تعالى عنها على امتناع الرؤية كما سبق، ووجه الاستدلال أن الله عز وجل نفى أن يكون لبشر تكليم من الله إلا بما ذكره من الطرق، وقد أكد هذا النفي بإدخاله على كان لتأكيد تعذّر وقوع المنفي، ولا يتقيّد هذا النفي بزمن دون زمن كما سبق بيانه في قوله: (لا تدركه الأبصار) لأن ذلك هو اللائق بجلال الله ولو كانت رؤيته تعالى جائزة لكان تكليمه جائزا بغير هذه الطرق.