نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ١٠٠

والإخبار بالجملة الاسمية (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاََرْضِ خَلِيفَةً) جاء لتأكيد الإرادة الإلهية في خلق هذا الإنسان لعمارة الأرض مكرّما (بوصف خليفة) ً، بحيث يصبح ذلك كالأمر الواقع كما سبق في علم الله، وإن كان وقوعه قد تمّ بعد الإخبار به، والله وحده هو الذي يعلم الفاصل الزمني بين الحوار العلوي وزمان خلق هذا الإنسان، وهذا المعنى اللّطيف لا تفيده الجملة الفعلية.

وقد ذهب المفسّرون إلى وجود احتمالين في المراد بلفظ الخليفة، في إطار ما وصفه به الملائكة من الإفساد وسفك الدّماء.

أ- إنّه خليفة لنوع من الكائنات العاقلة التي عمرت الأرض قبل آدم وذرّيته، وكان من واقعه أن أفسد في الأرض وسفك الدّماء حتّى باد وانقرض، وعلى ذلك قاس الملائكة خليفته الإنسان، فكان منهم ذلك الاستفسار، وليس في النّصّ القرآني ما يرجّح مثل هذا التأويل، بل لعلّ ملائكة الله - وهم صفوة خلقه- وبحكم طبيعتهم العلوية النّزّاعة للخير، قد ألهمهم الله، بأنّ هذا المخلوق الأرضي المادي، سوف لن يكون من فصيلتهم السّماوية المخلوقة لطاعة الله وعبادته وتقديسه، فتوقّعوا منه ذلك الفساد، وكان منهم ذلك التّساؤل في معرض الاستفسار لحكمة الله التي خفيت عنهم.

ب- إنّ هذا الإنسان مخلوق ابتداءً على وجه الأرض ليعمّرها ويصلحها بما أودع فيه الخالق من حرّية وإرادة وتفكير، وبالتالي فهو خليفة الله في الأرض بالمعنى المجازي، أي يكون مدبّراً متصرّفاً بأمر الله في شؤون الأرض، وإلى هذا المعنى التّشريفي للإنسان ذهب أغلب المفسّرين، ويؤيّده قوله تعالى:

- (وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآئِفَ الاَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) (الأنعام: 165).

- (اِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ إِنَّهُ، عَلِيمٌم بِذَاتِ الصُّدُورِ، هُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآئِفَ فِي الاَرْضِ) (فاطر:38 - 38).

١٠٠ / ٦٬٢٠١