نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٢١٣أي أحسنوا بالوالدين إحسانا، وقدّم المعمول على العامل للاهتمام به، وعديّ بـ"الباء" لتضمينه معنى البرّ، أي معاملة الذات وتوقيرها بالتّودّد والتّقرب، لا بمجرّد الوصل بالمال ونحوه عن بُعد واشمئزار. وهذا الإحسان المأمور به في الآية الكريمة العمدة فيه هو اجتهاد الولد في إحاطته والديه ببرّه وكرمه، وإخلاص نيته في ذلك سيما في حالة ضعفهما بحيث لا يقتصر ذلك على توفير حاجاتهما المادية، بل يطبق الإرشادات الإلهية المفصلة في سورة الإسراء: (وَقَضَى رَبُّكَ … ) (الإسراء:23). وكيف أن الله تعالى بعد ذكره لكيفية معاملتهما ينبّه إلى توخّي الإخلاص والقصد النّبيل في ذلك بقوله تعالى: (رَّبُّكُمُ (أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمُ (إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ’ كَانَ لِلاَوَّابِينَ غَفُوراً) (الإسراء:25).
ولا يعني الإحسان بالوالدين أن يكون الولد أزاءهما مسلوب الحرّية والإرادة في شؤونه الخاصّة في عمله لنفسه أو أهله أو لوطنه، فيترك ما يرى فيه الخير الخاصّ أو العامّ نزولا عند إرادتهما وتحقيقا لرغبتهما بدعوى البرّ والإحسان إلى الوالدين، سيما إذا كانا جاهلين بشؤون الزّمن ومتغيرات الأحداث، بل يحاول إقناعهما بما هو الصّواب، فإن أمراه بما فيه معصية الله أو إهدار للشّرف والكرامة فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
(وَبِذِي الْقُرْبَى): و ذو القربى هو أقرب النّاس إليك بعد الوالدين في السّلم التّرتيبي للقرابة في هرم النّسب. وأعيد الجار للتّأكيد وإفادة التّنويع، والعرب في جاهليتهم قد حرّفوا حقوق القرابة حين جعلوها سببا للتّنافس والتّحاسد تؤول بهم أحيانا إلى حرب ضروس، كما وقع في حرب البسوس. قال أرطاة:
ونحن بنو عمّ، على ذاك بيننا … زرابيّ فيها بغضة وتنافس
وقال طرفة:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة … على المر، من وقع الحسام المهنّد