نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

يستمرّ السياق في بيان أنواع التكريم لآدَمَ عليه السلام فجاء العطف على ما سبق لبيان ما تفضل الله به عليه من الإقامة في الجنة مرفوقا بزوجه لإتمام السعادة والهناء فقال: (وَقُلْنَا يَآ ءَادَمُ اسْكُنَ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ).

قصّة السكن لآدَمَ في الجنة ترد مفصّلة في سورتي "الأعراف" و"طه"، وتندرج في الإشادة بهذا الإنسان ومدى تكريم الله له بما أودع فيه من خصائص العقل والتفكير، وما حمّله الله به من أمانة التكليف، والعطف على ما سبق (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ) يحمل نفس المعنى من توجيه الخطاب إلى الرسول بأن يذكر أحداث القصّة كما أخبر الله بها، وهو ينادي آدم في الملأ الأعلى نداء تنويه بذكر اسمه ليمنّ عليه بمسكن الجنة مرفوقا بزوجه، فإذا كان سكن الجنة سببا عظيما لرفاهية ورغد العيش من الناحية المادية، فإن اصطحاب الزوج والاستئناس به يضفي على تلك الحياة معنى السكينة والطمأنينة والهناء، وقد أذن الله لهما أن يأكلا من خيرات تلك الجنة كلها أكلا هنيئا لا يكدّره أي منغّص ماديّ أو معنويّ ينقص من لذة متاعهما بتلك الخيرات لأن قوله تعالى: (حَيْثُ شِئْتُمَا) يدلّ على إطلاق الحرية والإرادة لهما في الكسب والاختيار، ولكن الإرادة لا تتمحّص قيمتها الحقيقية إلاّ على محكّ الاختبار، فكان منه تعالى ذلك النهي لهما أن يقربا شجرة معيّنة لهما بدلالة اسم الإشارة على ذلك (هَذِهِ الشَّجَرَةِ) والنهي عن قربها أبلغ في التحذير من النهي عن الأكل، وأحوط لمنع الغواية والإغراء، وذلك حين يكون المنهيّ عنه شديد الجذب للوقوع فيه من مثل فاحشة الزّنا إذ قال تعالى في النهي عنها: (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً) (الإسراء:32)، وهو ما يسمّى في أصول الفقه بـ"سدّ الذرائع".

١٠٩ / ٦٬٢٠١