نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٢٣٤(وَكَفَى بِاللهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللهِ نَصِيراً): بعد إظهار حقيقة اليهود وأنهم يكنّون العداوة للمسلمين، من شأن ذلك أن يلقي الرّوع في البعض منهم إذ كان اليهود ذوي نفوذ وقوة في المدينة وما حولها، يجيء هذا التّذييل المطمئن لنفوس المؤمنين بأنّ الله هو وليّهم وناصرهم، فلا يطلبوا الولاية من غيره ولا النّصرة من سواه، فهو الذي يوفقهم إلى الأخذ بأسباب النّصر من الأخوة والتّعاون والتّآزر.
(مِنَ الذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ):
"مِن" لها احتمالان: أن تكون تبعيضية وهي خبر لمبتدأ محذوف دلت عليه جملة: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ) فيكون الكلام مستأنفا. أو هي بيانية فتكون صفة (لِلذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ)، أي هم الذين هادوا. وجملة: (يُحَرِّفُونَ) حالية. والتّحريف يطلق على معنيين:
أ) - تأويل القول بجملة على غير معناه الذي وضع له بدافع الهوى وإيثار المنافع العاجلة كما فعل بعض الأحبار أو بمعنى التّبعيض في: "مِن" مما يدل أن ذلك كان صنيع فريق منهم لا كلّهم على طريق حكمة أسلوب القرآن في عدم تعميم الحكم كقوله: (وَمِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مَنِ اِن تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُوَدِّهِ إِلَيْكَ) (آل عمران:75).
ب) - أخذ كلمة أو طائفة من الكلم من موضع ووضعها في موضع آخر، إما عن قصد الإصلاح والتّرتيب للقراطيس المتفرقة من العهد القديم والجديد، وإما عن إرادة تعمية الحقائق.