نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ١١١وقد اقتضت حكمة الله أن تكون حياة الإنسان والشيطان متلازمتين على طول مشوار الخليقة من بدايتها إلى نهايتها، فإذا كان الشيطان بحكم تمرده عن الله قد تمحّض للخبث والكيد والشرّ، فإن الإنسان هو مجال تنفيذ خطته، وهو هدفه لنصب حبائله وتدبير مكائده. وما إزلاله عن الشجرة أو عن الجنة إلا تجسيد لتلك القابلية في الإنسان للتوجّه نحو الخير أو الشر، وهو في تمام وعيه مما يأخذ ويدع، وتجري سنة الحياة لتتولد المسبّبات عن الأسباب فلا تتخلف ولا ترحم، فإذا آدم وزوجه آثمان بالأكل من الشجرة الممنوعة بعد أن أغواهما الشيطان فاستجابا لداعية الإغواء وهو يقول لهما: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلآَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ) (الأعراف:20)، واللذة الحرام في حكم الله لها عقوبتها -لا محالة- عاجلة أم آجلة، وهي تتصل بالذنب اتصال السبب بالمسبب، وكان الشيطان اللّعين مدفوعا بدافع الحسد لارتكاب تلك الجريمة في حق آدم عليه السلام والحاسد لا يرضيه إلا زوال النعمة عن محسوده، وها هو مبتهج مسرور بإخراج آدم وزوجه من نعيم الجنة، وقد تمثلت العقوبة الربانية في ذلك الحرمان القاتل وهما يجرّان أذيال الخيبة والندم، ولكن هيهات أن يعودا إلى ما كانا فيه.
(فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اَهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الاَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ اِلَى حِينٍ): أذن الله بهذه العقوبة بقوله تعالى: (اهْبِطُواْ) وضمير الجمع قد يراد به التثنية -أي آدم وزوجه- باعتبارهما أصلا لجميع البشر، وقد يراد بضمير الجمع آدم وزوجه وإبليس ضرورة وجوده معهما في الجنة، وعلى نفس الاحتمالين يكون مرجع الضمائر في قوله: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)، وإن كانت الآيات القرآنية تركّز على عداوة إبليس لآدَمَ وذريته وتحذّر منها في مثل قوله تعالى: