نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ١١٤

ب- يكون (اهْبِطُواْ) في هذه الآية أمرا ثانيا يدلّ على أن كلاّ من زمن الهبوط ومكانه قد اختلف وفي ذلك من التكلف ما لا يدلّ عليه النص، وللإمام ابن عاشور ملحظ دقيق في ذلك إذ يقول: " فالوجه عندي على تقدير أن تكون إعادة "اهْبِطُواْ" الثاني لغير ربط نظم الكلام، أن تكون لحكاية أمر ثان لآدَمَ بالهبوط، كيلا يظُنّ أن توبة الله ورضاه عنه عند مبادرته للتوبة عقب الأمر بالهبوط قد أوجبت العفو عنه من الهبوط من الجنة فأعاد له الأمر بالهبوط بعد قبول توبته ليعلم أن ذلك كائن لا محالة لأنه مراد الله تعالى من جعله خليفة في الأرض".(1)

قلت: وزيادة عن ملاحظة الإمام ابن عاشور فإن تكرار (اهْبِطُواْ) -وهو ينمّ عن الغضب والسخط- قد أعقبه قوله تعالى: (فَإِمَّا يَآتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، وأفاد ذلك معنى زائدا عن "اهبطوا" الأولى، وهو ربط الطاعة والمعصية من طرف الإنسان بهدى الله الذي يكون حجة عليه في اجتهاده وكسبه وهو موفور الحرية والإرادة بعد أن احتضنته الأرض وتقيدت إقامته ومتاعه فيها بأنها (اِلَى حِينٍ)، فإن الله تعالى من تمام رحمته به لم يتركه في حيرته يتخبّط بعد أن حُرِم من حياة الرَّاحة والنعيم في الجنة، لأن الحياة التي انتقل إليها في الأرض مليئة بالمتناقضات متعددة المسالك فهناك حق وباطل، وهدى وضلال وإيمان وكفر وخير وشر … إلخ.

(1) - الطاهر بن عاشور، التحرير و التنوير، 1/ 441.

١١٤ / ٦٬٢٠١