نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٢٧٨تذييل للجملة السّابقة: (وَإِذاً لَّأتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً)، ومن تمام الأجر هذه المعيّة التّشريفية في أعلى منازل الجنة بصحبة صفوة خلق الله ممن أنعم الله عليهم باتّباعهم الصّراط المستقيم، وقد أعيد هنا الأمر بطاعة الله ورسوله لأنه الأصل المراد من السّياق ابتداء من قوله تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ)، تلك الطّاعة التي تمامها وكمالها بإيثار حكم الله ورسوله على التّحاكم إلى الطّاغوت، وبالرّضوخ لأمر الله وإن استدعى ذلك التّضحية بالنّفس والمال ومفارقة الأهل والأوطان.
وهؤلاء الأصناف الأربعة المذكورون في الآية الكريمة هم صفوة خلق الله، وهم على درجات متفاوتة في المنزلة والقدر عند الله، وهم على التّرتيب التّنازلي من أعلى القمة إلى أدناها. ويبدو -والله أعلم- أن صاحب الرّتبة العليا لابدّ وأن تكون الصّفات الدّنيا قد تحققت فيه حتى بلغ ما فوقها ويدلّ عليه قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ’ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيئاً) (مريم:41). فإذا استثنينا درجة النّبيين لأنها لا تكتسب، فإن أتباعهم من المؤمنين لابدّ وأن يرتقوا إلى إحدى الدّرجات الثّلاث، سيما إذا حملنا صفة الشّهداء على معناها العام بمعنى قوله تعالى: (لِتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاس) كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين، وأمّا إذا قصرنا الوصف على من استشهد جهادًا في سبيل الله فتلك منزلة يمنّ الله بها على من يشاء من عباده، فإنّ سيدنا أبا بكر رضي الله عنه وهو الصّديق المشهود له من رسول الله وصحابته لم تكتب له الشّهادة في الجهاد.