نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٤٢٨والرّوايات التي وردت في أسباب النّزول ترجّح أن الخطاب في الآية لجماعة المسلمين، وإن كان السّابقون الأولون من جيل الصّحابة يتنزّهون عن مثل هذه الأماني الجوفاء، فإن في جيل الصّحابة من ضعاف الإيمان ومُسْلِمَةِ الفتح من غرّتهم هذه الأماني، فما بالك بالذين جاؤوا من بعدهم؟ ألم ينزل قوله تعالى في سورة الحديد: (أَلَمْ يَانِ لِلذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَالذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الاَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16). فلا عجب إذن أن يكون ذلك الصّراع الكلامي في جيل التّابعين مباشرة في تحديد مفهوم الإيمان: أهو قول وعمل واعتقاد، أم هو مجرّد قول: لا إله إلا الله. محمد رسول الله؟؟ وتلك هي السّلبيات التي عانى منها الجيل المسلم في مختلف الأعصار إذ غرّتهم أماني الانتساب والانتماء، واتَكلوا على شفاعة الشّفعاء، فأصبحوا كأهل الكتاب سواء بسواء. أما الأوفياء المخلصون من الرّعيل الأول فقد هالهم الأمر عند نزول هذه الآية فراحوا يسألون رسول الله كيف النّجاة وكيف الصّلاح؟ أنجزى بكل ما نعمل؟. لقد هلكنا فيجيب رسول الله: "أبشروا، فإنه لا يصيب أحدا منكم مصيبة في الدّنيا إلا جعلها الله له كفارة حتى الشّوكة التي تقع في قدمه".(1)
وللزّيادة في التّأكيد جاء قوله تعالى: (وَلاَ يَجِدْ لَهُ’ مِن دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً)، فهو نفي لما ألفوه من التماس النّصير في أبناء عشيرتهم أو في حلفائهم حتى تتطهّر عقيدتهم من أوضار الجاهلية.
(1) 1 - روى البخاري نحوه من حديث عائشة، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، حديث 5317، 5/ 2137.