نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٤٣٤

قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) ولما كان الإسلام الصّحيح هو هذا الذي جاء به محمّد على ملّة إبراهيم عطف عليه الثّناء لإبراهيم، إذ اصطفاه وأكرمه بهذه المنزلة لما كان عليه من الحبّ المكين لله تعالى والإخلاص له في حنيفيته حتى تبرأ من أبيه وقومه قائلا: (إِنَّا بُرَءَآؤُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ اَبَداً حَتَّى تُومِنُواْ بِاللهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة: 4). والجملة اعتراضية لا محلّ لها من الإعراب. وليست الخلّة هنا خلّة اندماج وتشابه ومساواة -حاشا لله- بل هي خلّة رضى ومحبة وعلوّ الذّكر، والله تعالى يكرم من يشاء من عباده، ويشعر هذا الثّناء الخاصّ بسيّدنا إبراهيم بعد ذكر ملّته التي هي دين الإسلام الذي جاء به محمّد، يشعر ذلك بصحة هذا الدّين عند الله، بينما ادّعاءات الكفار واليهود والنّصارى في التّفاخر بأنهم على ملّة إبراهيم إنما هي هراء وافتراء، لأن إبراهيم لم يكن يدعو من دون الله أحدا، وفي ذلك ردّ ضمنيّ لتلك الدّعوى الباطلة.

ثم قال تعالى: (وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً): قد يوهم هذا الثّناء العطر من الله لإبراهيم بإضفاء صفة الخلّة عليه، بأنها كخلّة النّاس كما يظن النّصارى -باطلا- بنوّة المسيح لله فجاءت هذه الآية الكريمة لدفع ذلك الإيهام، بأن لا شيء يملكه إبراهيم من خصوصية الألوهية بل هو عبد من عباد لله شرّفه وأعزّه بما آتاه من النّبوءة والحكمة ليس إلاّ، فإبراهيم الخليل كالمسيح عليه السلام لا يستنكف أن يكون عبداً الله، بل هو في جملة مخلوقات الله المنبثّة في الأرض والسماوات، والتي هي في قبضة الله يحيط بها علما وقدرة وتدبيرا.

١٬٢٩٧ / ٦٬٢٠١