نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٤٣٥

وفي بيان معنى الخلّة من الله لإبراهيم ننقل كلام الإمام الفخر الرّازي بنصّه لتعميم الفائدة يقول: "إن جوهر الرّوح إذا كان مضيئا مشرقا علويّا قليل التّعلّق باللّذات الجسمانية والأحوال الجسدانية، ثم انضاف إلى مثل هذا الجوهر المقدّس الشّريف أعمال تزيده صقالة عن الكُدورات الجسمانية وأفكار تزيده استنارة بالمعارف القدسية والجلايا الإلهية صار مثل هذا الإنسان متوغّلا في عالم القدس والطّهارة، متبرئا عن علائق الجسم والحسّ، ثم لا يزال هذا الإنسان يتزايد في هذه الأحوال الشّريفة إلى أن يصير بحيث لا يرى إلا الله، ولا يسمع إلا الله، ولا يتحرّك إلا بالله، ولا يسكن إلا بالله، ولا يمشي إلا بالله، فكان نور جلال الله قد سرى في جميع قواه الجسمانية وتخلّل فيها وغاص في جواهرها وتوغّل في ماهياتها، فمثل هذا الإنسان هو الموصوف حقا بأنه خليل، لما أنه تخللت محبّة الله في جميع قواه، وإليه الإشارة بقول النّبي عليه السلام في دعائه: "اللّهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا … ".(1)(2)

قلت: إن من أروع النّماذج لمحبة إبراهيم لله ما ورد في الأثر أن الله تعالى اختبر ولاءه وتوكّله على الله في أحرج اللّحظات، عندما أحكم قومه وثاقه ليرموه في النّار بالمنجنيق، إذ أتاه جبريل يسأله عما يريد أن يرفعه إلى ربّه من استغاثة ليَكشف عنه الضّرّ فأجابه بثقة واطمئنان: أما حاجتي إليك فلا، وأما إلى الله فعلمه بحالي يغني عن سؤالي. فقال الله تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء:69). وهكذا أولياء الله وأحباؤه لا خوف عليهم ولاهم يحزنون. فاللّهم ارزقنا حبّك وحبّ من يحبّك ولا تجعلنا من الغافلين، آمين، والله أعلم.

(1) 1 - رواه البخاري من حديث ابن عباس، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه بالليل، حديث 5957، 5/ 3327.

(2) 2 - الفخر الرازي، التفسير الكبير، 5/ 95.

١٬٢٩٨ / ٦٬٢٠١