نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٤٨١

(وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً): عطف على قوله: (فَبِمَا نَقْضِهِم) ولتهويل مقام الكفر من طرف هؤلاء أعيد لفظه، لأن رميهم لمريم ببهتان الزّنا ناتج عن إنكارهم لقدرة الله على أن يخلق ولدا من دون أب كما فعل بالمسيح. وقد أحاط الله مريم وولدها بمعجزات دلّت على براءتها وطهرها، فكان وصف البهتان بأنه عظيم عند الله وصفا مناسبا يشهد بشرف القدر والمنزلة للسّيد المسيح. لأنه لا أنكى على الإنسان ولا أحطّ من كرامته من أن يخدش في عرضه وشرفه، واليهود في بهتانهم لمريم لم يكن من قبيل الدّعاية السّرية بإشاعتها في المجامع، بل جهروا بالسّوء في حقّها، ونعتوها بكل نقيصة، وهم يخاطبونها بمثل قولهم: (يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً، يَآ أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتُ اُمُّكِ بَغِيّاً) (مريم:27 - 28). والذي يُبهت قد يتعذّر عليه الجواب وهو يصدم بما يسمعه، ولذا أحالتهم إليه فكان جوابه لهم معجزة من الله لو أنهم اقتنعوا بها. هذه واحدة من مواقف كفرهم في ما يفترون من أقوالهم.

والثّانية هي في قولهم: (وَقَوْلِهِمُ (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى اَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ)، وهذه المقولة تندرج في الصّفات التي تقدمتها باء السّببية، وهي تنمّ عن إمعانهم في الكفر والباطل، إذ يفاخرون بهذه الجريمة التي ارتكبها أسلافهم، على ما في قصة وقوعها من شكّ واضطراب، ووصف المسيح عليه السلام بصفة الرّسالة، إذا اعتبرناه حكاية لقولهم، فهو للسّخرية والاستهزاء لأنهم كفروا برسالته كما تقدم، وإذا اعتبرناه حكاية من الله تعالى فهو للمدح والثّناء أو نصبه على الاختصاص للتّشنيع عليهم.

١٬٣٤٤ / ٦٬٢٠١