نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٤٨٣

(وَإِنَّ الذِينَ اَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ): العدول إلى الاسم الموصول عوضا عن الضّمائر يرجّح أن المقصود هم أهل الكتاب بصفة عامّة من يهود ونصارى، لأن الفريقين كليهما لا يجزمون بقصة القتل، ففي الرّوايات النّقلية من أخبار اليهود والنّصارى ما يدلّ على التّردد والشّكّ، وليس لهم علم ثابت في ذلك، وإن كانوا يدّعونه لتضليل عامّتهم، ولذلك وقعوا في الخلاف والتّصارع: أكان هو المقتول أم غيره؟، وبالتّالي فإن ترجيحهم لإحدى النظريتين لا يعتمد إلا على الوهم والشّك، فقال تعالى مؤكدا نفي ذلك: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ)، لأن الذين دبّروا المؤامرة، ما كانوا متيقّنين أن المقتول هو عيسى بعينه، إما للشبه الذي حصل لهم، أو بجهل شخصه بالنّسبة للذين لا يعرفونه، وقد كان المسيح عليه السلام قليل المخالطة للناس إلا لحوارييه، وقد جوّز بعض المفسّرين أن يكون القتل في الآية لمعناه المجازيّ الذي يدلّ على التّمكّن والإحاطة بالشيء كقولك: قتلت هذه المسألة بحثا، فيكون الضّمير في: (قَتَلُوهُ) عائد إلى العلم في قوله: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ).

(بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ): أي أنجاه الله تعالى من كيدهم، والتّعبير بالرّفع إلى الله يدل على شرف منزلته في الملأ الأعلى، بحيث نتصوّر محنة البلاء الذي أحاط به، وهو يكاد لا ينفلت من قبضتهم لولا قدرة الله التي أنقذته، وأمّا كونه قد رفع بجسده وروحه أم بروحه وحدها؟ وهل أماته الله أم ما يزال حيّا؟ فتلك مسائل خلافية بين العلماء.

(وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً): والعزّة تكون بكمال القدرة، وعزة أوليائه من عزته، وحكمته تعالى تتجلّى في تدبير أمر خلقه، وتصريف شؤون ملكوته، إذ يقهر الظّالمين ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، وينصر أولياءه من الأتقياء الصالحين، والله أعلم.

١٬٣٤٦ / ٦٬٢٠١