نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٤٨٤(وَإِن مِّنَ اَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُومِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً): بعد أن بيّن الله تعالى مخازي اليهود، وكيف ردّ الله مكائدهم في تدبيرهم لقتل عيسى عليه السلام وأنه تعالى أنجاه ورفعه إلى أعلى المراتب، بيّن في هذه الآية المعطوفة على حادثة القتل المدّعاة، بيّن مآل أمرهم عندما تنكشف الحقائق وهم في حالة النّزع يحتضرون، وعندئذ لات عناد واستكبار، فما من أحد منهم إلا ويؤمن بعيسى ويزول ما كان عليه من شك واحتيار.
والتّقدير: ما من أحد من أهل الكتاب إلا ليومننّ بعيسى عليه السلام قبل أن يموت، وهذا الحصر يفيد الإخبار بحالة أهل الكتاب من يهود ونصارى عندما يوافيهم الموت، فكل فريق تنكشف له الحقيقة، فاليهوديّ يؤمن بنبوءة عيسى عليه السلام، والنّصراني يؤمن ببشريته، وأنه عبد الله ورسوله ليس إلا، كما يشهد بذلك عليهم يوم القيامة عندما يجيب ربّه أمام الملأ: (مَا قُلْتُ لَهُمُ (إِلاّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنُ اَعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِم): (المائدة:117). وهذا التّفسير هو على أساس أن الضّمير في "موته" يعود إلى الكتابي، وهو ما ذهب إليه أغلب المفسرين، وذهب بعضهم إلى أن الضّمير راجع إلى عيسى، على أساس ما ورد في حديث: «أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزّمان ويؤمن به أهل الكتاب وينشر العدل بين النّاس»(1)، وعدّه الرّسول صلى الله عليه وسلم من أشراط السّاعة.
وعلى هذا التّفسير يخصص العموم الذي في الآية "يأهل الكتاب" الذين يوجدون في وقت نزوله لا جميعهم كما يدلّ عليه عموم الآية، والتّفسير الأول أرجح والله أعلم.
ويؤيده ما اهتدى إليه صاحب الكشاف في بيان النّكتة، إذ يقول: "والفائدة في إخبار الله تعالى بإيمانهم
(1) 1 - رواه ابن ماجة من حديث أبي أمامة الباهلي، كتاب الفتن، حديث 4067.