نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٢٥

(فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ): الخطاب للمؤمنين ممثلين في شخص إمامهم، ويتحقق اسم اليد بالكفّ إلى الرّسغ، لأنها هي التي تباشر السّرقة، وبما أن أغلب النّاس أكثر استعمالا لليمنى في مباشرة أعمالهم، فإن أكثر الفقهاء يرون القطع لليمنى في التّحقق الشّرعي لمعنى السّرقة، إمّا بالإقرار أو ببيّنة تامّة، وفي زيادة قطع عضو ءاخر عند تكرار السّرقة وكونه اليد اليسرى أو الرّجل اليسرى خلاف بين الأئمة مفصّل في كتب الفقه، وجاء التّعليل لهذا الحكم بمصدرين، جزاء ونكالا، وفي إسناد كل منهما تأمّل وعبرة، فالجزاء متعلّق بكسب الإنسان، سيما إذا توفرت لديه أسباب الكسب والحلال، وليس له أيّ مبّرر من علّة أو مجاعة أو اضطرار، وهو مع ذلك مؤمن بحكم الإسلام في حرمة السّرقة … الخ، فلم يبق له من دافع إلا الشّره والطّمع، أو التّسلّط والبغي، فإن الزّاجر السّلطاني هو أفيد في منع هؤلاء، وصدّهم عن تحقيق أغراضهم الدّنيئة، وحتى يكونوا عبرة لغيرهم، وهم يحملون على أجسادهم ميسم الذلّ والخيانة، وكل عقوبة دون القطع مما جرّبه النّاس عبر تاريخهم الطّويل كالحبس والتّغريم والإبعاد، لا تكون لها الفعالية مثل حكم الله، هذا الذي يعتبره الكثير من المتفلسفين قديما وحديثا حكما قاسيا لا يليق بكرامة الإنسان المتحضّر،

وقديما قال أحدهم في ذلك مستنكرا:

يد بخمس مئين عسجدا وُديت … ما بالها قطعت في ربع دينار

فأجابه أحد العلماء الرّبانيين بقوله:

عزّ الأمانة أغلاها، وأرخصها … ذلّ الخيانة، فافهم حكمة الباري

والله تعالى إذ شرّع هذه العقوبة يقول: إنها نكالٌ منه لمثل هؤلاء العصاة عساهم يرتدعون، وهو العزيز ذو القوة المتين، الحكيم في تشريعاته وفق ما يعلمه من طبائع خلقه

وقديما قال المتنبيّ:

ووضع النّدى في موضع السّيف بالعلا

مضرّ كوضع السّيف في موضع النّدى

١٬٤٨٣ / ٦٬٢٠١