نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٢٦

ولله الحكمة البالغة، وهو بالتّوابين غفور رحيم.

(فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ): والتّوبة المطلوبة هي التّوبة النّصوح بالرّجوع عن الظّلم، وهو موقف سلبيّ هو أدنى ما يطلب من النّاس في حق بعضهم بعض بالنّسبة لمن لا يقدر على سوى ذلك، وإلا فالواجب يقتضي من المؤمن أن لا يقصّر في مجالات البّر والإحسان، ليستكثر بذلك من الحسنات التي تذهب بسيئاته الكثيرة، فإصلاح النّفس بعد تدسيتها يقتضي من التّائب أن يجسّده برّا وإحسانا في معاملة غيره، أما كون هذه التّوبة لا تتمّ إلا بردّ المظالم لأصحابها أو التحلّل منها قدر الإمكان، أو أنها تسقط حدّ القطع إن عفا المسروق ولم يصل أمر السّارق إلى الإمام، فتلك تفاصيل لها أحكامها من الفقه الإسلاميّ، وهي تأخذ بالتّشديد والتّضييق تارة، وبالسّماحة واليسر حسب، ملابسات القضية والظّروف المحيطة بها يحدّدها الحاكم ويتصرف بما هو ثابت عنده، فهذا عمر -رضي الله عنه- قد عطّل الحدّ في عام المجاعة، كما عطّله عن غلمان أبي بلتعة عندما علم أنه يرهقهم بالجوع، ثم غرّمه جزاء ظلمه، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ادرأوا الحدود بالشبهات»،(1) أما تحديد هذه الشّبهة فلا يمكن فيها اعتماد وضع معيّن، إذ الأحوال تختلف من مكان إلى ءاخر وتختلف في الزّمان وفق الأحداث والتّطورات، ولذا اختلفت في ذلك ءاراء المجتهدين، وقال سيدنا عمر -رضي الله عنه- وهو النّموذج الخيّر للحاكم العادل- قال: «لأن أعطّل الحدود بالشّبهات أحبّ إلي أن أقيمها بالشّبهات».

(1) – الحديث.

١٬٤٨٤ / ٦٬٢٠١