نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٤٣

إن سبب الانتفاع ليس هو مجرّد الإطلاع على ما في الكتاب، أو استيعاب معانيه، بل هو بصفة التّقوى التي هي الخشية لله و إجلال قدره في رغبة و محبة، و هذه الصّفة قد تتحقق لجهول لا يعرف من أمر الكتاب شيئا، كما قال تعالى: (فَذَكِّرِ اِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى) (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَّخْشَى) (وَيَتَجَنَّبُهَا الاَشْقَى) (الذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى) (الأعلى:9 - 10 - 11 - 12).

(وَلْيَحْكُمَ اَهْلُ الاِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ): و أهل الإنجيل هم النّصارى أتباع المسيح، يأمرهم الله تعالى بأن يحكموا بما أنزل عليهم في كتابهم، أي إن تلك الأحكام المنزّلة في التّوراة و الإنجيل، إنما تخصّ أهلها في التّطبيق و ليست عامّة لجميع النّاس كالرّسالة الخاتمة، و ليس في الإنجيل إلا زيادات طفيفة، و التّوراة هي العمدة في تفاصيل الأحكام، و لذا تكررت جملة: (مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ): أي كل من الإنجيل و رسول الإنجيل يصدقان بما في التّوراة، و قد وجد غلاة النّصرانية في هذا الأمر القرءاني مستندا لرفضهم القرءان في إتباع أحكامه، لأنه يأمرهم أن يحكموا بما في الإنجيل، و تلك مغالطة لأن الله يقول في ءاخر هذا السّياق مخاطبا رسوله: (وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ) (المائدة:48). و قد تساءل الفخر الرّازي: أيّ فائدة من ذكر الظّلم بعد الكفر، و الكفر أعظم من الظّلم، و الظّلم أخفّ منه؟ و الجواب: أن الكفر تقصير في حق الخالق -سبحانه- و الظّلم تقصير في حق النّفس.

١٬٥٠١ / ٦٬٢٠١