نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٤٤(وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَءَاتَيْنَاهُ الاِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) (46) (وَلْيَحْكُمَ اَهْلُ الاِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ): لقد كان عيسى-عليه السلام- ءاخر أنبياء بني إسرائيل و كانت شريعة الإنجيل إكمالا لما جاء في العهد القديم من شريعة التّوراة، بل تحديدا لما يمكن أن يتجاوزه الزّمن من تلك الأحكام القديمة، كما قال عيسى نفسه لبني إسرائيل: (وَلأُِحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) (آل عمران:50). فهو رسول الرّحمة تغلب على دعوته الرّوحانية لتوازن تلك اللّهفة المادية التي طغت على بني إسرائيل.
و قد أضفى الله على الإنجيل نفس الصّفات التي أضفاها على التّوراة، و بالتّالي فهو مصدّق لما بين يديه من التّوراة، كما أن عيسى مصدّق لما بين يديه من التّوراة، و قد تكررت العبارة: (مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ): تارة حالا لعيسى و تارة حالا للإنجيل، للتأكيد على معنى التّكامل بين الرّسولين موسى -عليه السلام- وعيسى-عليه السلام-، وبين الكتابين التّوراة والإنجيل، ثم أمر الله أهل الإنجيل بالعمل بأحكامه، و المقصود بأهل الإنجيل بنو إسرائيل كلهم، و لا يختصّ ذلك بالنّصارى وحدهم، كما صرّح بذلك عيسى لقومه عندما قال لهم: (يَا بَنِي إِسْرآءِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَاتِي مِن بَعْدِيَ اسْمُهُ (أَحْمَدُ) (الصف:6).