نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ١١١-وهو الإعراض والتّنكّر- أي قوله: (وَمَا تَاتِيهِم مِّنَ ايَةٍ): عطف عليها هذه الجمل في شيء من التّفصيل في العرض ليرّد على كل شبهة من تلك الشّبهات ويلزمهم الحجة. وهو يخاطب الرّسول ليحاورهم في صدق وثبات، وهو في ظلمة الشّك والحيرة يتخبّطون، كيف يتلقى خبر السّماء بشر مثلهم. وليست ظاهرة الوحي وحيرة البشر إزاءها بشيء جديد في القضايا الإنسانية الكبرى. بل هي وليدة الوجود البشريّ منذ أن قضت حكمة الله بإنزال الكتب وإرسال الرّسل. إذ قصّ علينا القرءان مواقف القرون الخالية مع رسلهم بنفس تلك الشّبهات، ونفس الإنكار والجحود. ذلك لأن عملية الوحي تتمّ في ستر وخفاء، وليس للتلقّي فيها صورة ماديّة محسوسة. ومن هنا أثار المشركون تلك الشّبهة في طلب رؤية الملك، أو إنزال سفر يلمسونه بأيديهم، فجاء ردّ الآية الكريمة: أنهم لا يطلبون ذلك للحصول على الثّقة والاطمئنان، إذ هم جاحدون منكرون ابتداء، بحيث لو تحقق لهم ما طلبوه، بأن أنزلنا عليك كتابا فرأوه ولمسوه بأيديهم لظلّوا على إنكارهم. وإعراضهم، ولوجدوا مبرّرات لذلك الإنكار، بأن ما يشاهدونه هو من قبيل السّحر الذي هو تخييل لما ليس بواقع. وبما أن القائلين ليسوا على مرتبة سواء في الجحود والإنكار، اختير الإظهار في مقام الإضمار: (لَقَالَ الذِينَ كَفَرُواْ): ليدلّ على أن الكفر هو الدّافع إلى ذلك.
(وَقَالُواْ لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوَ اَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الاَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ):