نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ١١٣

عطف الله هذا التّهديد بعد الرّدّ على شبهات الكفار. والتي كان مبعثها السّخرية والاستهزاء، لأنهم يعرفون أن مقترحاتهم تلك لا يمكن أن تتحقق. فبيّن الله تعالى لرسوله أن ذلك هو شأن من تقدمه من الرّسل مع أقوامهم، قال تعالى: (وَمَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ اِلَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزءُونَ) (الحجر:11).

غير أن سنة الله جارية في إهلاك المكذبين المستهزئين وأن هؤلاء سوف ينالون جزاءهم، وفي هذا تسلية للرسول، وتبشير له بالنّصر والغلبة، وذلك هو ما تحقق في غزوة بدر إذ هلك فيها معظم أولئك المستكبرين.

(قُلْ سِيرُوا فِي الاَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ): تصميم المشركين على الاستهزاء والتّكذيب يقتضي من الرّسول أن يحاورهم لردّ شبهاتهم حتى يلزمهم الحجة، ولذا تكرّر الأمر بالقول لهم في دحض كل شبهة. أو إثبات وحدانية الله من خلال ملكوته في ما يرد من الآيات اللاحقة. ولدحض ارتيابهم في هلاك المكذبين بحسب سنة الله المطردة كما تضمّنه الوعيد السّابق، أمر الله رسوله بأن يدلّهم على السّير في الأرض ليشاهدوا ءاثار ما حلّ بالقرون الخالية وكيف كانت عاقبتهم جزاء التّكذيب والاستهزاء، والسّير في الأرض يكون لأغراض متعدّدة، وأكثر سير مشركي مكة كان للتجارة. وكثيرا ما يغفلون عن النّظر والاعتبار، بما يمرّون عليه من تلك الآثار. وقد جاء العطف "بثم" ليدلّ على أن يكون المقصد من السّير في الأرض هو النّظر في عاقبة المكذبين. وذكر في سبب الهلاك وصف "المكذبين" تارة ووصف "المستهزئين" أخرى. لأن الكافر قد لا يجمع بينهما، غير أن وجود أحد الوصفين كاف إنزال العذاب بعد الإنذار وإقامة الحجة، وإن كان المستهزئون أحق بالعذاب وأجدر. والتّاريخ يثبت أن كثيرا من مكذّبي قريش اهتدوا إلى التّصديق والإيمان، وصاروا بعد ذلك من جنود الرّحمان.

-والله أعلم-

١٬٥٧١ / ٦٬٢٠١