نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ١٢٩

(1)

قلت:

فعلى هذه الرّواية يكون توجيه معنى الآية هكذا: إن المؤمنين من أهل الكتاب من أمثال عبد الله بن سلام يشهدون بصدق الرّسول، إذ هم يتيقنون بأنه النّبي الخاتم المبشّر به في كتبهم، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فتكون شهادتهم بمعرفته وصدقه ملزمة للسائلين الذين يثقون بأهل الكتاب ويقدرونهم وفي هذا المعنى يقول المولى جلّ وعلاَ في سورة الشّعراء: (أَوَلَمْ يَكُن لَّّّهُمُ (ءَايَةً اَنْ يّعْلَمَهُ’ عُلَمَآؤُاْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ) (197).وفي سورة الرّعد: (وَيَقُولُ الذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ’ عِلْمُ الْكِتَابِ) (43). وعلى هذا المعنى يكون قوله تعالى: (الذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ): استئناف يراد به تكرير حكم الخسارة والكفران على مشركي مكة، لبيان أنهم لا يؤمنون ولو مع شهادة أهل الكتاب بصدق الرّسول.

(وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً اَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ’ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ):

ومن أقدح الظّلم وأقذعه أن يجمع الإنسان بين الكذب والتّكذيب بما ثبت أنه حق وصدق. فالافتراء على الله بالكذب هو الإشراك به وإنكار وحدانيته، أو إضفاء ما هو من صفاته العلية على مخلوق في مجال التّوسّل والإستشفاع كما يفعله بعض الجهلة من المسلمين. وأما هو التّكذيب بئاياته، أي بنصوص القرءان القطعية أو بئاياته الدّالة على قدرته ووحدانيته في الآفاق وفي النفس. ثم بيّن الله عاقبة الظّالمين. بنفي الفلاح عنهم عامّة. فهم لا يفلحون دنيا ولا أخرى، وإذا بدا لكثير من النّاس أن هؤلاء الظّلمة في منعة من قوتهم وجبروتهم فإن ذلك من الاستدراج الإلهي لهم وصدق مولانا إذ يقول: (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (وَأُمْلِي لَهُمُ (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (الأعراف:182 - 183).

(1) – الرّازي 12/ 179.

١٬٥٨٧ / ٦٬٢٠١