نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ١٥٩تشتمل السّورة على ستة عشر نداء وجّهها الله تعالى للمؤمنين خاصة؛ يعقبها حكم أو توجيه ينظم المجالات المختلفة لحياة المسلمين في علاقة بعضهم ببعض أو علاقتهم بغيرهم سيما أهل الكتاب. وهذا هو النّداء العاشر يعود إلى بيان بعض الأحكام التّشريعية بعد تلك الجولة الطّويلة من مناقشة أهل الكتاب التي انتهت إلى مدح القسّيسين والرّهبان من النّصارى. وأنهم أقرب مودّة للذين ءامنوا بما ذكره الله تعالى من فضائلهم سيما الرّهبانية التي وصفوا بها بعزوفهم عن التّزوّج وحرمان أنفسهم من كثير من الطّيبات. وبما أن المجتمع المسلم في المدينة المنوّرة قد بدأت معالم تربيته وقيم حضارته تتميّز، وقد أشرفت هداية الرّسالة الرّبانية على نّهايتها، فإن الله تعالى في هاتين الآيتين قد سدّ الطّريق على ما يمكن أن يتسربّ إلى المسلمين من الرّهبانية النّصرانية المفرطة، أو من العادات الجاهلية، مما حرمه العرب على أنفسهم أو دويهم من أصناف الأنعام أو بعض أجزائها كما هو مفصّل في السّورة الموالية. فتمت بذلك المناسبة والرّبط البليغ بين الآيتين وما سبق فقال جلّ من قائل: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ). وردت في السّنة روايات كثيرة يعضد بعضها بعضا تذكر تسرّب بعض الظّواهر الرّهبانية إلى المجتمع المسلم عند أول الهجرة لخّصها الإمام الفخر الرّازي بقوله: " روي أنه صلى الله عليه وسلم: "وصف يوم القيامة لأصحابه في بيت عثمان بن مظعون، وبالغ وأشبع الكلام في الإنذار والتّحذير، فعزموا على أن يرفضوا الدّنيا ويحرّموا أنفسهم المطاعم الطّيّبة والمشارب اللّذيذة، وأن يصوموا النّهار ويقوموا اللّيل، وأن لا يناموا على الفراش، ويخصوا أنفسهم، ويلبسوا المسموح ويسيحوا في الأرض. فأخبر النبي بذلك فقال لهم: "إني لم أومر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقا.