نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ١٦٠

فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وءاكل اللّحم والدّسم وءاتي النّساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".(1)

والنّهي في الآية الكريمة يحتمل المعاني المتقدمة، والمقصود تحريم ذلك على النّفس تعمّدا لإنهاكها حتى تتقرّب إلى الله بدعوى الرّياضة الرّوحية مثلما يفعله الزّهّاد والمتصوّفة. وليس المقصود من ذلك التّحريم أن يلتزم الإنسان ذلك في كل الأوقات وعلى كل الأحوال. بل الاعتدال مطلوب في مثل هذه الحالة، كما كان يفعل رسول الله، وهو ما عبّر عنه في حديثه لأصحابه، كما أن استعدادات النّاس تختلف في هذا المجال وفق أمزجتهم وطباعهم والظّروف التي نشأوا عليها ونوع انشغالاتهم التي يمارسونها. ولذا اقترن هذا النّهي في عمومه بالنّهي عن الاعتداء، وهو تجاوز حدّ الاعتدال في تناولها أو تجاوزها إلى الخبائث المحرمة. ثم علّل النّهي. بما يجب أن يتحاشاه المؤمن من غضب الله وسخطه وهو قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). ثم قال تعالى ءامرا بضدّ ما تضمّنه النّهي الذي قبله: (وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللَّهَ الذِي أَنتُم بِهِ مُومِنُونَ). الأمر للوجوب لا للإباحة وهو معطوف على النّهي قبله لتأكيده، أي أن تحريم الطّيبات لا يتحقق بمجرّد القول أو الاعتقاد، بل لا يتحقق إلا بالانتفاع بها فعلا، لأن الله تعالى يحبّ من عباده أن يقبلوا نعمه، وإن يشكروه عليها كما قال تعالى في سورة البقرة: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلهِ إِن كُنتُمُ (إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (172).

(1) – الحديث:

١٬٦١٨ / ٦٬٢٠١