نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ١٩٣(وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ): هذه الجملة الشّرطية معطوفة على سابقتها: (لَا تَسْئَلُواْ عَن اَشْيَآءَ): واختيار أداة: (إِن): يفيد إمكان وقوع السّؤال وعدمه كما تقدم. فالأصحاب وإن كانوا مخيرّين بين السّؤال وعدمه. فهم بسليقتهم اللّغوية يفهمون أن ترك السّؤال أوْلى. لأنهم أن سألوا حين نزول القرءان. فإنهم يتلقون الجواب -لا محالة- وهذا الجواب قد يكون فيه ما لا يسرّ. فيكون ذلك سببا لإغبات المسلمين وقد قال رسول الله عليه السلام: "إن أعظم المسلمين جُرما مَن سَأل عن شيء لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته".(1)
وقد صحت عن رسول الله أحاديث فيها إرشاد عال للأصحاب تدلّ على منهجيه الإسلام في التّشريع وكيف إن الله تعالى يهيّيء الظّروف، ويسوق القضايا من واقع الحياة وواقع النّاس فيريد الله أن يصلح من ذلك الواقع فتتنزل الأحكام بما يضمن وتيرة الإصلاح. ومن شأن المؤمن الوفيّ أن لا يتعجّل في السّؤال، بل يترك ذلك لحكمة الله في معالجة القضايا لأنه أعلم بمن خلق.
وفي الصّحيح أن رسول الله عليه السلام قال: "ذروني ما تركتكم. فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم".(2)
وقال أيضا: "إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدودا فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها. وسكت عن أشياء رحمة بكم. فلا تسألوا عنها".(3)
(عَفَا اللَّهُ عَنْهَا): أي لا تسألوا عن أشياء سكت الله عنها أو أبقاها مجملة، فالجملة صفة لأشياء. ويحتمل أن يكون المعنى: عفا الله عما كان من مسألتكم قبل النّهي: أي لا يعاقبكم على ذلك، حتى لكأن الذّنب قد عفيّ على أثره.
(قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ):
افتراء الكفار على الله في بعض العادات.
أ- النّص: