نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٢٣٩وصيغة القصر للحياة الدّنيا على أنها لعب ولهو تكرر في القرءان بنفس التّرتيب في أنها لعب ولهو وبعكسه، وبزيادات شؤون أخرى، كقوله تعالى في سورة الحديد: (اعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَواةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الاَمْوَالِ وَالاََوْلَادِ) (20). هي في عاقبتها كاللّعب واللّهو لا تنجرّ عنهما أية فائدة. ويقول الحكماء في فلسفة اللّذة والألم: "إن جميع لذات الدّنيا سلبية إذ هي إزالة لآلام الجوع والعطش والحرّ والبرد، والمتعة الجنسية إنما هي تسكين لداعية الشّبق وحرارة الشّهوة البهيمية. الخ .... " وأما نعيم الآخرة فهو نعيم إيجابي غير مشوب بشيء من الآلام، زيادة على كونه دائما باقيا، قال تعالى في شأنها: (لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ) (الحجر:48). … (وَلَلدَّارُ الاَخِرَةُ خَيْرٌ لِّلذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ): والتّعقيب على ذلك الوصف الدّنيويّ بخيرية الدّار الآخرة للذين اتقوا، ثم كونها دارا لهم. يدلّ أوّلا على نعيم الاستقرار والاطمئنان لأن الدّار هي مبعث السّكن للنّفس كما قال تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً) (النحل:80). ووجه الخيرية فيها أنها جزاء للمتقين، لما قدّموه من أعمال في الحياة الدّنيا هي أبعد ما تكون عن اللّعب واللّهو، مما اشتغل به أولئك الكفّار المنكرون للبعث.
وقوله: (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ): موجّه لكلا الفريقين والاستفهام فيه للتّوبيخ بالنّسبة للمشركين. وللتحذير والتّنبيه بالنّسبة للمؤمنين، حتى لا يغفلوا عن تلك الحقائق الوجودية الكبرى. والعقل هو المنة العظمى من الله لبني الإنسان وما يعقل ءايات الله إلا العالمون.
-والله أعلم-تسلية الرّسول في حزنه لإعراض قومه.
أ) - النّص: