نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ١٧٣

إنّ طول النّفس في عرض وقائع بني إسرائيل ومواقفهم من رسول الله وصحابته ينمّ عن ما كان يعانيه المسلمون في المدينة من دسائس ومكايد اليهود، ممّا صوّره القرآن في الآية السّابقة من قساوة قلوبهم وتحجّرها أشدّ من قساوة الصّخر، وحتّى لا يقع المسلمون في حبائل مكرهم، أو يغترّوا بمراوغاتهم ودعاويهم، نجد السّياق تتخلّله -أحياناً- خطابات للرّسول والمؤمنين تثبّتهم على ما هم عليه من الحقّ وتحذّرهم من مكر اليهود ودسائسهم، وتكشف ما يضمرونه من الحقد، وما درج عليه خاصّتهم وعامّتهم من التّحريف والتّضليل، ومن تلك الالتفاتات القيّمة ما ورد في هذه الآيات وما بعدها من قوله تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُّومِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ، مِنم بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ):

جاء هذا الاستفهام الإنكاريّ في أول خطاب الله للمؤمنين لتيئيسهم من إيمان اليهود برسالة الإسلام، جاء نتيجة معقولة لطبيعة قلوبهم القاسية المبيّنة في الآية السّابقة بذلك التّصوير البليغ، فهو متفرّع على ما سبق ذكره من مواقفهم وأوصافهم، وهذا الاستفهام التّعجيبي يفيد أن لا مطمع ولا رجاء في إيمان هؤلاء القاسية قلوبهم عن ذكر الله، ولا شكّ أن مثل هذا التّيئيس يدلّ على أنّ ثمة محاولة من الرّسول وأصحابه لدعوة هؤلاء إلى الإيمان كما كلّفهم الله بذلك، وليس حتماً أن يؤمن كلّ من دُعي إلى الحقّ، لأنّ الهداية أمرها بيد الله كما قال لرسوله: (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنَ اَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص: 56)، ثمّ علّل الله إنكار إيمان اليهود بعلّتين:

- التّّّفريع على ما وُصِفت به قلوبهم من القساوة.

١٧٣ / ٦٬٢٠١