نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٢٨٠(مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ): ومرة أخرى ينفي الرّسول عن نفسه أي خصوصية للألوهية والرّبوبية من القدرة على الإتيان بخوارق العادات، كما لا يملك أن ينزّل عليهم كسفا من السّماء كما توعّدهم بذلك إن هم أصرّوا على الكفر والعناد. وهم يستعجلون ذلك العذاب عندما قالوا: (وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ أَوِ ايتِنَا بِعَذَابٍ اَلِيمٍ) (الأنفال:32). جهلا منهم بسنن الله في خلقه، وأن الله وحده هو المالك لتلك القدرة، وهو اللّطيف بعباده، وهو الحليم الغفور، ولكنه يستدرج عباده من حيث لا يعلمون. وبتجريد الرّسول نفسه من خصوصية الألوهية القادرة يحصر صفة الحكم في الله تعالى وهو يفصل بالحق في شؤون عباده، وهو أعلم بحكمة التّأخير أو التّعجيل في ما يقضى به، وهو أعدل الحاكمين.
(قُل لَّوَ اَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الاَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ):
ولتأكيد صفة البشرية العاجزة في شخصية الرّسول لقنه الله أن يقول هذه الفرضية بلو لقومه: بأنني لو كنت أملك القدرة على الإتيان بما تستعجلون به من العذاب لحسمت القضية بيني وبينكم إما بإتياني ما اقترحتموه عليّ، أو بإهلاك للظالمين منكم بدافع العجلة التي هي من طبيعة الإنسان، بل وحتى بتحويل قلوبكم إلى الإيمان فتتوبون وتهتدون. فالأمر كله إلى الله، وهو أعلم بالظّالمين. وقد ظلمتم بشرككم وهو اعتداء على حق الله، وبالتّكذيب والتّحدّي، وهو إعتداء على حق رسول الله.