نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٣١٠

ومعنى: (اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الاَرْضِ حَيْرَانَ): شبّه المرتدّ عن إسلامه إلى الكفر بالذي أخذه مسّ من الجنون في فلوات الأرض، فهو حيران لا يهتدي إلى سبيل النّجاة. وهذه الصّورة شبيهة بآكل الرّبا في سورة البقرة إذ يقول تعالى: (الذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَواْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) (البقرة:275). وهذا التّشبيه البليغ يصوّر حالة القلق والاضطراب النّفسّي الذي يكون عليه المشرك أو المرتدّ –والعياذ بالله- وكم من المفكّرين عانوا من تلك الحالة النّفسية حتى إذا اهتدوا إلى الحق وشرح الله صدورهم للإسلام شعروا بالرضي والطّمأنينة. ولكنّها رياضة شاقة لمن تعثر في الطّريق، ولم تتهيّأ نفسه من أول عمره للإذعان والتّصديق. وقد علّمنا رسول الله أن نسأله تعالى الثّبات واليقين بدعائه المأثور: "اللّهم يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك". وتأكيدا لحيرة التّائه الضّالّ، أضيف لحال كونه: (حَيْرَانَ): حال ثانية بأن له أصحابا يدعونه إلى الهدى بلطف وترفق لينضم إلى جماعتهم، بقولهم: (اَيتِنَا): وما أحوج المجنون إلى ذلك الاستئناس الهادي. لتخفيف من غلواه عناده، فهو لا ينصاع لما يدعي إليه من الهدى والرّشاد، حتى إذا ما تمكّنوا منه جعلوه في الأصفاد، منعا لما يتوقع منه من شرّ وفساد.

١٬٧٦٨ / ٦٬٢٠١